واجـب الطاعـة

يتحدّث الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم عن المؤمنين والمؤمنات في ما يقدّمونه من أعمال صالحة، ولم يفرّق بين عمل المرأة وعمل الرجل، فالثواب الذي يحصل عليه الرجل في كلِّ ما يقوم به من مسؤوليات مما كلفه الله إياه، هو الثواب نفسه الذي تناله المرأة إذا قامت بمثل هذا العمل، فلم يفضل الله الرجال على النساء في حساب الطاعة، كما أنّه لم يفرق بينهم في حساب المعصية، فالرجل يعاقب على انحرافه عن الخط الذي رسمه الله له، تماماً كما تعاقب المرأة، وهذا ما نستفيده من أكثر من آية في القرآن.
ففي سورة الأحزاب، عندما يتحدث الله عن الرجل والمرأة في خط الطاعة فيقول: {إنّ المسلمين والمسلمات}، هؤلاء الذين أسلموا لله أمرهم وآمنوا بالإسلام رجالاً كانوا أو نساءً {والمؤمنين والمؤمنات} الذين آمنوا بالله ورسوله عن اقتناع من النساء والرجال معاً {والقانتين والقانتات} والقنوت يعني الخضوع لله والطاعة له، فكما على الرجل أن يقنت لله ويخضع له، فكذلك على المرأة {والصادقين والصادقات}، فالصدق هو قيمة إسلامية إيمانية كلّف الله تعالى بها الرجال والنساء معاً، فلا بد أن يأخذ الرجال بأسباب الصدق، سواء كان صدقاً بالكلمة أو صدقاً بالموقف، وهكذا بالنسبة للمرأة، لا بد أن تكون صادقة في ذلك كله.
{والصابرين والصابرات}، فالله تعالى جعل الصبر قيمة أخلاقية روحية حركية، وارتفع بها إلى أن جعلها من أعلى القيم، ولذا: {إنّما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب} [الزمر:10]، من الرجال والنساء، وأيضاً: {وبشّر الصابرين* الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون}، فالله سبحانه وتعالى يصلي على الصابرين والصابرات معاً، كما يصلي على رسوله، فكما يصلّي الله وملائكته على النبي(ص)، فكذلك يقول الله تعالى إني أصلي على الصابرين الذين يصبرون في السرّاء والضرّاء، ويصبرون على الطاعة ويصبرون عن المعصية، {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة}، يرحمهم الله بواسع رحمته، {وأولئك هم المهتدون} [البقرة: 155-157]، الذين يجعلهم الله في درجة الفلاح في الدنيا والآخرة.
{والخاشعين والخاشعات}، أي الذين هم في صلاتهم خاشعون من الرجال والنساء، والذين يعيشون الخشوع لله سبحانه وتعالى في كلِّ مواقع حياتهم، عندما يتمثَّلون مواقع الله في عظمته ومواقع الله في نعمته.
{والمتصدقين والمتصدقات}، فالله تعالى أراد للناس أن يتصدَّقوا على الفقراء والمساكين والأيتام مما أفاض عليهم من رزقه ومن ماله الذي آتاهم إياه، وجعل للصدقة في كل مواقعها فضلاً كبيراً وأجراً عظيماً، حتى إنه ورد في الحديث: “سوسوا إيمانكم بالصدقة”، و”داووا مرضاكم بالصدقة”.
{والصائمين والصائمات}، فالصوم أيضاً هو جُنَّةٌ من النار، وهو من العبادات التي فرضها الله على عباده في شهر رمضان، واستحبّها لهم في أيام أخرى، فلا فرق في ثواب الصوم بين الصائمين والصائمات.
{والحافظين فروجهم والحافظات}، فالله تعالى أراد للرجل أن يكون عفيفاً، فلا يصل إلى ما حرَّمه الله عليه من الزنا واللواط، كما أراد للمرأة أن تكون عفيفة بأن أن لا تمارس الزنا أو السّحاق في ذلك كله، بل لا بد من أن يحفظ الرجال والنساء فروجهم من الحرام، وقد ذكر الله تعالى المفلحين من المؤمنين: {والذين هم لفروجهم حافظون* إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين* فمن ابتغى وراء ذلك ـ يعني ابتغى وراء ما حدده الله له ـ فأولئك هم العادون} [المؤمنون:5-7].
{والذاكرين الله كثيراً والذاكرات}، أيضاً في مسألة ذكر الله سبحانه وتعالى، سواء كان ذكراً باللسان أو كان ذكراً بالموقف، هو مما حثّ الله عليه ووعد عباده الثواب والأجر الجزيل على ذلك. وهو تعالى لم يفرّق بين المرأة والرجل في ذلك، فكل مَن قام بهذه الأعمال {أعدّ الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً} [الأحزاب:35]، فالمغفرة التي يمنحها الله للرجال في القيام بهذه الأعمال، هي المغفرة نفسها التي أعدّها الله للنساء اللاتي قمن بها. وهكذا، فالأجر العظيم الذي يعطيه الله تعالى لهؤلاء، لا يفرق فيه بين رجل وامرأة.
ثم يؤكد الله تعالى أن على المؤمنين والمؤمنات أن يطيعوا الله في كل ما أمرهم به وما نهاهم عنه، فلا حرية لأيِّ مؤمن أو مؤمنة، ولا خيار لهم أمام ما فرضه الله عليهم، أي ليس لهم إذا وقفوا أمام ما أوجبه الله أو أمام ما حرّمه عليهم، أن يوحوا لأنفسهم بالحرية، كما تجد في بعض الناس الذين يقول لهم الوعّاظ صلّوا أو صوموا أو امتنعوا عن هذا الحرام أو ذاك الحرام، أو أنفقوا مما رزقكم الله تعالى، أو خمّسوا أموالكم أو زكّوا أموالكم أو اذهبوا إلى الحج عند الاستطاعة وما إلى ذلك، فيقول لك أنا حر، لا، قل له أنت حر أمام الناس الآخرين، لأنه لا سلطة لإنسان على إنسان إلا بالحق، ولكنك لست حراً أمام الله سبحانه وتعالى، بل أنت عبدٌ لله سبحانه وتعالى، عبدٌ مملوك لا يقدر على شيء، لأنك ملك الله في كلِّ كيانك وفي كل وجودك وفي كل ما يحيط بك من الأمور في كل جوانب الحياة وفي كل جوانب المسؤولية.
فالله يؤكد أنه لا خيار لأيّ مؤمن أو مؤمنة أمام صدور أي أمر من الله أو من الرسول، لأنه من أطاع الرسول فقد أطاع الله، وقد جعل الله طاعة الرسول من طاعته: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخيرة من أمرهم}، يعني ليس له حرية أن يفكّر في أن يسير مع الخط الإلهي أو أن لا يسير، لأنه لا خيار لك في ذلك، بل إن عليه أن يخضع خضوعاً مطلقاً للخط الإلهي، والله سبحانه يبيّن للناس الذين يعصونه، فيمارسون حريتهم أمام ما أمر به وما نهى عنه، يقول سبحانه: {ومن يعصِ الله ورسوله فقد ضلّ ضلالاً مبيناً} [الأحزاب:36]، أي يكون قد ابتعد وسار في المتاهات، وأية متاهة يسير فيها الإنسان أكثر من هذه المتاهة التي تؤدي به في نهاية المطاف إلى غضب الله وإلى سخطه وإلى نار جهنم.
وفي آية أخرى، يربط الله تعالى أيضاً بين الإيمان وبين القبول بحكم الله ورسوله، يقول تعالى وهو يخاطب رسوله: {فلا وربّك لا يؤمنون ـ لا يصدق عليهم أنهم مؤمنون ولا يُعتبرون من فريق الإيمان، لأن الإيمان ليس مجرد كلمة ومجرد شهادة، بل هو موقف وخط وطاعة، {حتى يحكموك فيما شجر بينهم}، حتى يحتكموا إليك في كل خلافاتهم وفي كل نزاعاتهم عندما يختلفون ويتنازعون، سواء كان النـزاع في أمور مالية، أو في أمور اجتماعية أو في أمور عائلية، أو في أمور سياسية أو أمنية، وفي كل شيء يختلف الناس فيه بين سلب وإيجاب، وبين خط وخط، فلا بد أن يرجعوا ذلك إلى حكم الله وحكم رسوله، فهم يحتكمون إلى النبي، لأن النبي(ص) يحكم بحكم الله سبحانه وتعالى، سواء بما أوصى به الله إليه، أو مما أوكل الله أمره إليه.
{ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت}، وإذا أصدرت حكمك لمصلحة هذا أو لمصلحة ذاك، فإن الشخص الذي حكمت عليه لا يتضايق ولا يشعر في نفسه بحرج ومشقة ومشكلة، بل يتقبل ذلك بكل انفتاح، {ويسلّموا تسليماً} [النساء:65]، لأن علامة الإسلام وعلامة الإيمان هي أن تسلم أمرك لله سبحانه وتعالى في كل قضاياك.
وقد ورد في آية أخرى: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرسول} [النساء:59]، إذا حصل أي نزاع، وخصوصاً في النـزاعات التي يختلف فيها المسلمون في مذاهبهم، سواء كان ذلك من خلال الجوانب العقيدية في تفاصيلها، أو في الجوانب الشرعية وما إلى ذلك، فلا بد أن يقول بعضهم لبعض إن علينا أن نردّ الأمر إلى الله، لنقرأ القرآن ونعرف ماذا قال الله تعالى، وأن نرد الأمر إلى الرسول ونعرف ماذا قال الرسول، ليكون الله والرسول هما اللذان نخضع لهما في كلِّ ما قالاه وفي كل ما شرَّعاه في ذلك كله.
وعلى ضوء هذا نفهم حقيقة، وهي أن المسلمين الآن أصبحوا يعيشون في دول تشرّع لنفسها القوانين الوضعية، سواء كانت دولاً علمانية بكل عناوينها، أو كان عنوانها إسلامياً ولكن قانونها علماني، في هذا المجال، لا بد للناس أن يخضعوا لأحكام الله تعالى في ما يختلفون فيه ويتنازعون، من كل الأمور التي تتصل بحياتهم. نعم، الفقهاء يستثنون حالةً واحدة، وهي أنه إذا كان لك حقٌ على شخص ولم تستطع الوصول إلى حقّك إلا من خلال القوانين الوضعيّة، لأن يد الشرع ليست مبسوطة، أو ليست له قوة، في هذه الحالة يجوز لك أن تُرجع أمرك إلى القانون المدني، وإلا الأصل للمسلم أن يخضع لحكم الله تعالى في ما يريد أن يقوم به في تكاليفه ومسؤولياته، أو في ما يختلف فيه مع الآخرين. والحمد لله رب العالمين.
موعظة ليلة الجمعة ، بيروت: 16- 09 – 2004م.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار