الشهادة.. الشرارة الأولى لنهضة لا تموت

كتبت / زينب شهيد الاسدي

 

تشكّل لحظات استشهاد القادة الكبار منعطفاتٍ حاسمة في تاريخ الأمم، وتتداخل في الذاكرة محطاتٌ كبرى لا يمكن قراءتها بمعزلٍ عن بعضها؛ إذ لا تكون نهاية القائد نهاية مشروع، بل بدايةً لنهضةٍ تتجاوز حدود الزمان والمكان. ومن أبرز هذه اللحظات استشهاد القائد الإمام محمد باقر الصدر (قدّس الله سرّه)، الذي تحوّل دمه إلى رمزٍ حيٍّ للثبات في وجه الطغيان، وإلى شرارةٍ أيقظت ضمير الأمة.

لم يكن استشهاد الإمام مجرد حادثةٍ مأساوية، بل كان إعلانًا صارخًا عن صراعٍ بين مشروعين: مشروعٍ يسعى إلى إحياء الوعي والكرامة، وآخر يتمسّك بالقمع وإخماد الأصوات الحرة. وقد ظنّ الطاغوت، متمثّلًا بالنظام البائد ، أن القضاء على القائد سيُنهي الفكر، لكنه لم يدرك أن الدم حين يمتزج بالعقيدة يتحوّل إلى قوةٍ لا تُقهر.

وفي امتداد هذا الطريق، تأتي ذكرى الأربعين لتجسّد استمرار المسيرة، حيث يُستحضر فيها معنى الوفاء للتضحيات وتجديد العهد مع المبادئ. ويُشار في هذا السياق إلى استذكار أربعينية السيد علي خامنئي، بوصفها محطةً رمزية تؤكد أن درب التضحية لم ينقطع، وأن الدماء التي سُفكت في سبيل القيم ما زالت تُثمر وعيًا وموقفًا. فالأربعين، في بعدها العميق، ليست زمنًا للحزن فحسب، بل لحظة وعيٍ متجدّد.

أما سقوط الطواغيت، فهو الحدث الذي يعيد التوازن إلى هذه المعادلة التاريخية. فحين يسقط النظام الذي مارس القمع والإقصاء، يبدو وكأن دماء الشهداء قد بدأت تؤتي ثمارها، وأن العدالة – وإن تأخرت – لا بد أن تتحقق. ولم يكن هذا السقوط مجرد نهاية حاكم، بل بداية مرحلةٍ جديدة كُتب لها أن تُبنى على تراكم التضحيات.

إن الربط بين هذه المحطات يكشف عن حقيقةٍ راسخة: أن طريق الحق قد يطول، وقد تكثر فيه التضحيات، لكنه لا ينتهي بالهزيمة. فالشهداء لا يرحلون دون أثر، بل يتركون خلفهم مشروعًا حيًا يستمر في وجدان الناس، ويتحوّل مع الزمن إلى قوةٍ قادرة على التغيير.

وهكذا، فإن استذكار هذه المناسبات لا ينبغي أن يكون مجرد طقسٍ عاطفي، بل دعوةٌ للتأمل في المسؤولية التي تقع على عاتق الأحياء، ليكونوا أوفياء لتلك التضحيات، محافظين على المبادئ التي استشهد من أجلها أولئك العظماء وهي حلقاتٍ في سلسلةٍ واحدة، عنوانها أن الدم حين يُسفك من أجل الحق لا يضيع، بل يصنع للأمة نهضتها، ويرسم لها طريق المستقبل.

زينب شهيد الاسدي

عضو مجلس محافظة ذي قار
الخميس ٩ نيسان ٢٠٢٦ م
٢١ شوال ١٤٤٧ هـ

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار