
الحلقة (4) من سلسلة كلمات في العرفان العرفان والفلسفة (القسم الأول)
تُعرض الفلسفة اليوم وكأنها الطريق الوحيد للوصول إلى الله سبحانه، ويجد الطالب في بداية دراسته للفلسفة صعوبة في فهم عباراتها، ولا يفكر أن هذه الصعوبة ناتجة من كون قضاياها ليس لها واقع ملموس يسهل تصوره وتسلقه، بل يتهم نفسه أنه بليد التفكير، فيتكلف كثيراً لأجل فهمها، ويستمر في ازدراد مسائل الفلسفة، وهو يأمل أن ينتعش إيمانه ويصعد في سلّم الفلسفة إلى أعلى الإيمان.
ثم يطول به الزمان فيصبر، ولعله يتساءل عن عدم حصول نتائج السير معه ويتعب من الدراسة، فيقول له أهل الصنعة مقولة مفادها أن الفلسفة بحر كبير، يغرق السابح في وسطه ولا بد من الوصول إلى الساحل الآخر حتى تأمن من الغرق، فيصبر، حتى يجد أن عمره قد نفد وصارت الفلسفة معيشته، وقسى قلبه وفني شبابه.. والكل يُظهر له أنه فاهم للفلسفة مبتهج بإدراكها، فينتظر أن يكون مثلهم يوماً ما، وينطوي على أسئلته وشكوكه التي قد تودي به وبإيمانه يوماً ما.
وينسب إلى بعض أساتذة الفلسفة أن عليك أن (تدرس الفلسفة أولاً ثم العرفان النظري ثم القرآن)، أي لن تكون مؤهلاً لفهم آيات القرآن إلا بعد أكثر من خمس وثلاثين سنة من الدراسة من دراسة (نهاية الحكمة وبداية الحكمة والمنظومة والأسفار والشفاء والفصوص والتمهيد..).
فإذا متّ قبل أن تكمل الطريق فقد توقفت في منتصف البحر!.
ويرى بعض أساتذة الفلسفة (الشامخين) أن الدليل الفلسفي هو الدليل العقلي وأنه هو الجدير بتأسيس العقائد وفقه، وأنه أوضح من كلام الأئمة (عليهم السلام)، وأن الدليل القرآن دليل مشهوري مثل المشهورات (في المنطق) التي لا تضاهي البرهان العقلي.
بل لا يمكن تأسيس العقائد بالاستناد إلى القرآن والروايات بحسب قولهم، ولا بد من تأسيسها وفق الدليل الفلسفي، وكأن الله سبحانه يبالغ حين يقول [إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ] (الإسراء:9). هذا رغم أنهم لم يقدموا تعريفاً مقبولاً للعقل.
وقد انقطع عدد من طلبة الحوزة العلمية عن الاستمرار بدراسة الفقه وعلوم الشريعة الاعتيادية في المدارس الدينية التي يُنفق عليهم فيها من سهم الإمام عجل الله فرجه، وتفرغوا لدراسة الفلسفة ومن ثم العرفان النظري لأن هذه العلوم وفق قول أساتذتهم هي العلم الحقيقي وعلم الباطن، وأن علوم الفقه وأصوله علوم الظاهر لا توصل إلى الله سبحانه، فيتركون روايات أهل البيت (عليهم السلام) وفقه آل محمد صلوات الله عليه وعليهم وينشغلون بكتب الفلاسفة والعرفاء ليقضون باقي عمرهم بدراسة الفلسفة وانتظار فرجها في مغامرة فريدة وخطيرة، يشكل معها احتمال أن يكونوا على خطأ احتمالاً مرعباً وخسارة عظيمة. ومنهم من هاجر عن موطنه ورحل إلى (الفاسفة الكبار) و (العرفاء الشامخين).
والداعي لذلك والشعار أنها ستوصلهم إلى فهم الشريعة أكثر وأنهم سيكونون عرفاء ومن ذوي البصائر في دين الله، هذا بعد إكمال الدراسة والوصول إلى الساحل الآخر لبحر الفلسفة.
ولئن سألت كبار أساتذتهم هل يمكنك استنباط عدد الركعات في الفرائض اليومية (المغرب ثلاث والعشاء أربع والصبح اثنتان..) من الدليل الفلسفي فقط دون الرجوع إلى الروايات، لما استطاع جوابك، فهل أن الفلسفة قاصرة أم ناقصة؟ فإن كانت قاصرة فكيف يمكن الوصول إلى الله عبرها، وإن كانت ناقصة فكيف أعتمد على علم ناقص لا يمكن إكماله بعد قرون طويلة من تنقيحه؟.
ولم يزل الفلاسفة ينقض بعضهم على بعض ويصحح بعضهم لبعض، رغم أن الأوائل كانوا يدعون أن دليلهم هو العقل الصرف، ويدعي بعضهم أنه وصل إلى مرتبة (العقل المستفاد).
وبحسب فهمي: أن دراسة الفلسفة نافعة في بعض الجوانب العلمية، ولكن يستطيع الإنسان الوصول إلى الله سبحانه دون الحاجة إلى دراستها ودراسة العرفان النظري، بل سنجد في الحلقات التالية بعض المحاذير المنهجية على نفس الطالب.
ولم يوص رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأئمة (عليهم السلام) بها رغم دخول الفلسفة إلى عالم الإسلام في عهدهم، بل قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): (تركت فيكم الثقلين وهما حبل ممدود من الله إلى خلقه، ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبداً) وقد تكامل الكثيرون بدون دراسة الفلسفة، وكان منهم الشباب والنساء والأميين وغيرهم.. حتى كان منهم من كان يرى الجنة والميزان والقيامة ومنهم من إدرك درجات الإيمان كلها ومنهم من تصرف في العالم بإذن الله، فهل هناك كمال أكثر من هذا تعد به الفلسفة.
فلا شك أن طريقهم كان أفضل من طريق الفلسفة من حيث الاختصار إن سلّمنا بتساوي النتائج.
إضافة إلى المغامرة في اتباع منهج لم يحصل إقرار له من قبل المعصومين (عليهم السلام).
وسنطرح في الحلقات السابقة بإذن الله أموراً مهمة ودقيقة وبلغة بسيطة وواضحة، ولكنها جريئة تحتاج إلى إنصاف وتحرر من هيبة الأسماء الكبيرة التي سننتقد بعضاً منها ونقيم معرفتهم بالتوحيد وهل هم عرفاء حقاً أم لا زالوا يعيشون الحيرة ولم يصلوا إلى واقع التوحيد، وسنحتاج إلى حرية عقلية وتجرد في طلب الحقيقة وثقة بميزان الثقلين لا يطيقها الكثيرون، فوطّنوا أنفسكم على التحرر العقلي وانتظروا معنا إن شاء الله تعالى.