
“تاريخ الاصطفاء” الحلقة الثانية
قلنا سابقاً بان القيادة الاسلامية تتصرف بستراتيجية معمقة ، قد لا نلمسها الا اذا استقرأنا كل مؤلفاتها وكل تصرفاتها وحتى حركات وجهها ، فمثلا كلما نقرأ كتاباً لاحد الائمة او القادة الاسلاميين او رواية ، نجد ان اغلب تصرفاتهم كلعبة البليارد ، فتجد ان الموقف يكون مرتبط وناتج من سلسلة مترابطة من المواقف السابقة ، وكلما تقدمنا في الزمن نجد ان هذه السلسلة لها مكمل ولها مرحلة جديدة ، وهذا التقدم يكون مصاحباً لتقدم الفهم وكذلك انكشاف بعض الحقائق المستورة ، عندها يكون الانسان في مرحلة جديدة من الفهم ، فيفهم الستراتيجية بمستوى اكثر تقدما من سابقه ، وكل هذا بمساعدة التقدم في الوعي والفهم وانكشاف حقيقة بعض الاحداث السابقة كما ذكرنا قبل قليل …
كل الانبياء والائمة (عليهم السلام ) كان شغلهم الشاغل هو التمهيد ليوم الظهور المبارك ، فعندما نقرأ اي رواية او موقف لا بد وان يكون له اتصال بيوم الظهور او بالقظية المهدوية على العموم ، فتجد واقعة كربلاء المأساوية تعتبر من المراكز المهمة للاعداد النفسي ، فهي من اهم العوامل ذات الجانب العاطفي لتكامل الاتباع ، كذلك حتى مفهوم الغيبة ، فهدفها الاساسي اعطاء زخماً ودافعاً اساسياً للتكامل ، كذلك ايظاً عندما نقرأ كتب المرجعية الاسلامية ، فيجب ان يكون في ذهن القارئ انها ترتبط بالقظية المهدوية ، فبوضوح عندما نقرأ للشهيد الصدر الثاني (قدست نفسه) نستشم الصياغة التمهيدية للظهور ، وكذلك الشهيد الصدر الاول (قدس سره ) ايظاً كانت القظية المهدوية حاضرة في مؤلفاته وفي ستراتيجيته ، فهذين المرجعين والمفكرين الاسلاميين بنوا اهم اساس في الدولة المباركة ، وهو الاساس الفكري ، واهم ما نستقرأه في نصوصهم هو فهم جزئيات وحركة الكون فهماً طبيعياً وموضوعياً والابتعاد عن الخيال والاساطير ، فالاسطورة والخيال هي في الواقع تسير بصورة طبيعية لكن البست لباساً اسطورياً وخيالياً لاعطائها اكثر زخماً للتقدم ولعبور الزمن ، بعدها تكون الاجيال المستقبلية بما اتيح لها من مستوى عقلي تكشف وتنزع به الباس الاسطوري لتضهر لها الصورة الطبيعية .
تراث هذين الشهيدين الصدرين سيكون اكثر الادوات استعمالا في بناء مواضيع هذا البحث ، فهذا البحث ايظاً هو دعوة واسعة وشاملة لكل التوجهات الى مراجعة مؤلفات هذين المفكرين ..
يقول الشهيد الصدر الثاني (قدست نفسه) في كتابه ” شذرات من فلسفة ثورة الامام الحسين(عليه السلام) بأن مسلم بن عقيل افضل من نبي يونس (عليه السلام ) ، السيد (قدس سره) ذكر هذا الكلام بعد ذكر مواقف مسلم بن عقيل وتكليفه الذي اتمه في الكوفة ، فيقول في صفحة 284 : وهذا انما يدل على علوا مقام مسلم بن عقيل (ع) وانه مصداق الرواية التي تقول frown رمز تعبيري علماء امتي كأنبياء بني اسرائيل ) وفي رواية (افضل من انبياء بني اسرائيل) لان الاتجاه الاسلامي يجعل الانسان في قالب جديد نفسياً وعقلياً واجتماعياً وروحياً ، انتهى كلام السيد (قدس سره) ، نرى اغلب الناس وكذلك الطبقة المثقفة يفهمون الشخصية النبوية ( المصطفاة او المرسلة على العموم ) فهما خيالياً (قلنا ان الخيالية والاسطورية احتجناها في فترة من الفترات لدفع الفكرة) فكأن الانبياء يختلفون فسيولوجياً وانتربويلوجياً عن باقي البشر ، لكن الواقع ليس كذلك ، فمالك الاشتر الرجل الذي صقل عقله ونفسه لو اخذ بهذا المستوى لعصر ما قبل التاريخ لكان يمكن ان يكون كنوح (ع) او افضل ، فالخلافة صحيح هي بنص اللهي ، ولكن ايظا النص اعتلا بشروطا مهمة يتطلب ايجادها في الفرد ليستحق الخلافة والاصطفاء ،فهنالك في كل جيل بعض الافراد الذين يكونون قادرين لحمل الرسالة الالهية ، فيصبحون ويمسون وعوامل انجاح الاصطفاء تحوطهم وتحفظهم برعايتها ، فالقوانين الكونية تدفع هذا الفرد باتجاه الهدف الالهي بعدما يرى الله تعالى منه الصدق والاخلاص والاستحقاق ، عندها تكون فطرته او القاموس الادراكي مركز الرد السريع لاي واردات ذهنية ، فيرزقه الله الصواب والسداد والشعور بالقرب الصيق ، قال الامام علي عليه السلام : (إن الله عزوجل يمتحن الاوصياء في حياة الانبياء في سبعة مواطن ليبتلي طاعتهم ، فإذا رضي طاعتهم ومحنتهم أمر الانبياء أن يتخذوهم أولياء في حياتهم وأوصياء بعد وفاتهم ، ويصير طاعة الاوصياء في أعناق الامم ممن يقول بطاعة الانبياء عليهم السلام ، ثم يمتحن الاوصياء بعد وفاة الانبياء في سبعة مواطن ليبلو صبرهم ، فإذا رضي محنتهم ختم لهم بالسعادة ليلحقهم بالانبياء ، وقد أكمل لهم السعادة )بحار الانوار ج 38 ، فهذا النص لامير المؤمنين (ع) يوضح لنا بأن القظية اصطفاء بمؤهلات وشروط ، فإن توفرت الفرد كانت النبوة او الامامة من نصيبه وان لم تتوفر ابتعدت عنه الى غيره …
نحن الاناس العاديّون غالباً ما ترد على اسماعنا بعض الافكار المستنتجة من قبل بعض مفكرين فنشعر انها موافقة ومطابقة لذاتنا ولفهمنا لها ولكننا لم نكتشفها بانفسنا الا بعد هذه الاشارة الخارجية ، هذا يعني اننا كلنا قابلين الانطباق على هذا القانون(قانون الاصطفاء) ، ولكن المسألة مسألة ارادة ، فمن يكلف نفسه لتذوق المعاناة والتعب في سبيل الله ، فهذا توضيح للاية التالية frown رمز تعبيري أولم يتفكروا في انفسهم، ما خلق الله في السموات والارض وما بينهما الا بالحق واجل مسمى، وان كثيراً من الناس بلقاءي ربهم لكفرون) ، فكلما كان الانسان اكثر كمالا والصق فكراً بالهدف الالهي عندها تكون فطرته وادراكه باب الالهام والوحي الالهي، ، سنأتي على توضيح الالهام في مكان اخر ان شاء الله تعالى ، قال الامـام الصادق (ع ) : ان عليا كان عالما والعلم يتوارث , ولن يهلك عالم الا بقى من بعده من يعلم علمه او ما شاء اللّه، فيعطي الامام الصادق (ع) شرطا مهما من شروط القيادة وهو العلم ، ونحن قلنا انه ممكن ان يكون العلم بدون دراسة اولياً وبمستوى من المستويات ، فنبي ادريس (ع) هو من اخترع الكتابة في العراق ، فهل اعتمد على دراسات سابقة ، لا ، بل هو كان انساناً يتبع المبادئ النظيفة ، فكان ذهنه يركب الادراكات العقلية بعضها ببعض الى ان توصل الى اختراع رموزاً لتلبية الحاجة ، قال علي بن أبي طالب (ع): إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، فهذا الامر الصعب المستصعب انما هو القيادة وما تحتويه من اسرار وما تتطلبه من علم وصبر واخلاص ومؤهلات ، لذلك يصف رسول الله (ص) الامر بعلم العالم ، قال رسول الله (ص): إن علم العالم صعب مستصعب لا يحتمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو عبد مؤمن امتحن الله قلبه للإيمان ، في هذه الروايه يوصف الامر بعلم العالم ، وهو دلالة على ان الامر ليس فيه مجال وجانب غير ذا علم او غير مسيّر بقوانين علمية ، فالامام يقصد ب(امرنا) اي خلافتنا التي بها يعبد الله ، فهي ليست لاي عبد بل لعبد امتحن الله قلبه للايمان ليصطفيه الله تبارك وتعالى وليكون قائداً لكل اهل زمانه بعد ان تموت القيادة السابقة ، وايظاً الرواية التي تنص على ان ( الحسن والحسين امامان قاما او قعدا) انما احد الوجوه لها هو ما ذكرناه قبل قليل من معاصرة مسلم بن عقيل للامام الحسين (عليه السلام ) ، فالاصطفاء يمكن ان يتحقق لفردين واحدهما يكون قائما بالقيادة والاخر متهيءً لاوامر القيادة ، ولكنهم كلتيهما امامان كما عبّرت الرواية سواء قاما او قعدا ، ولعلنا من باب التوضيح يمكن ان نطبق نص الرواية ( الحسن والحسين امامان قاما او قعدا) على الامام السجاد ومسلم بن عقيل سلام الله عليهم اجمعين ، فتعبير الشهيد الصدر على ان مسلم بن عقيل افضل من نبي يونس هذا يعني ان مسلم بن عقيل معصوم وبالعصمة الواجبة وامام يقوده او يصوغ حركته امام رئيس ، لانه قدس سره يقول في كتابه” اضواء من ثورة الامام الحسين “:واما قوله (اي الامام الحسين عليه السلام لمسلم بن عقيل ) : (ثقتي من اهل بيتي )فهوواضح المعنى . غير ان فيه جهتين من الحديث لا بد من خوضهما:
الجهة الأولى : ان الوثاقة لا محالة تختلف ، فهناك الثقة وهناك الاوثق وهناك الاوثق منه وهكذا، اما كلام الامام الحسين (ع) فيدل على ان مسلم بن عقيل، سلام الله عليه ثقة للامام المعصوم عليه السلام، وهذه اعلى اشكال الوثاقة بعد العصمة.
الجهةالثانية : انه قد يقع السؤال ان في العبارة دلاله او اشعاراً بأنه اوثق من غيره من الهاشميين (من اهل بيتي) ولا يوجد من هو في مستواه . مع ان فيهم الكثيرين ممن يعدلونه في الوثاقة كالعباس بن علي وعلي بن الحسين الأكبر والقاسم بن الحسين السبط فضلاً عن الامام السجاد علي بن الحسين عليه وعليهما السلام ، وهو الامام المعصوم بعدالحسين عليه السلام . انتهى كلام السيد( قدس سره ) ، وكذلك يقول السيد ( قدس سره ) في كتابه الذي طبع مؤخراً بعنوان ” حب الذات وتأثيره في السلوك الانساني ” في صفحة 189: بإعتبار ان كل فعل اذا كان صادرا عن حب الله تعالى ، فإنه يكون مبرأً عن الخطأ والزلل ، ويكون قائماً بالولجبات وسائر ما ينبغي له ، ويكون مرضياً لديه ، وبذلك يكون الانسان معصوماً ابتداءً ، وواجب العصمة ، باعتبار ان حب الله _الذي اخذناه في الذات_ امر ذاتي لها ، فيكون مقتضاه _وهو الارتداع عما لا ينبغي ، والقيام بما ينبغي _ذاتيا له ايضاً ، فيكون واجب العصمة .انتهى كلام السيد الشهيد ( قدس سره )، وكذلك قوله قدس سره في كتابه “” اضواء من ثورة الامام الحسين “: كما أن الأئمة معصومون بالعصمة الواجبة، فإن العصمة على قسمين :-
القسم الأول: العصمة الواجبة، وهي التي دل الدليل العقلي على ثبوتها بالضرورة للأنبياء وأوصيائهم عليهم السلام. كما هو مبحوث في العقائد الأسلامية. وهذه المرتبة عطاء من قبل الله إليهم، لا ينالها غيرهم ولا يمكن أن يكون الدليل عليها دليلاً على غيرهم أيضاً.
القسم الثاني العصمة غير الواجبة، وهي مرتبة عالية جداً من العدالة، والإنصياع لأوامر الله سبحانه ونواهيه، بحيث يكون احتمال صدورالذنب عن الفرد المتصف بها نادراً أو منعدماً، لمدى الملكة الراسخة لديه والقوة المانعة عن الذنوب فيه. انتهى كلامه (قدست نفسه ) ، ففي هذا النص اذا كانت العصمة الواجبة ثابتة للانبياء فكيف لا ثتبت لمسلم بن عقيل (عليه السلام ) والذي هو افضل من نبي يونس (عليه السلام ) ، فنفهم بوضوح من ان العصمة الواجبة امكن من ان تكون من نصيب مسلم بن عقيل (عليه السلام) الذي استشهد في الكوفة قبل اكثر من 1300عام ..؟!
كذلك حتى الائمة يتفقون في كلامهم على ما تطرقنا اليه ، والذي سيكون العدد القادم مخصص للكلام حوله بمستوى اكثر توسعاً ، ان شاء الله تعالى ..