
الناصرية.. بين العيد والشهيد..
في الدراسة الاعدادية كان لنا صديق يسكن بغداد لكن جذوره من الناصرية الحبيبة وكان الطلبة يضايقونه كثيرا عندما يتهمونه انه من الناصرية الملقبة بالشجرة الخبيثة آنذاك ولأني لمست طيبته واصالته عن قرب كنت دائما ما اقف معه ضد من يطلق عليه هذا اللقب حتى انني في يوم من الايام دخلت في نقاش طويل مع مدرس التربية الاسلامية كاد النقاش يومها ان يطول الى حيث السجن من اجل الناصرية وكان الاستاذ يومها يتساءل عن فضل الناصرية على سائر المحافظات العراقية وسر دفاعي عنها رغم اني لست من الناصرية فقلت له يومها (ان الله عندما خلق الكون ووزع الخصال الحسنة القى الطيبة والشجاعة والحضارة في الناصرية ووزع باقي الخصال على العالم )امتعض يومها من كلامي الاستاذ لكني بقيت على رأيي بأن الناصرية بوابة لكل خير في وطننا المعطاء ولعلي أضفت دليلا جديدا على ذلك الرأي عندما زرت أمرأة عجوز في كفها وشم حضارة وعلى متنها ستر عرض وارض ..خارطة وجهها تشبه الى حد كبير اهوار الناصرية عندما كانت تجف وكانت دموعها تترامى على خدها مثل سمكة على شاطئ النهر والى جانبها ثلاث اطفال صغار قالت لي انهم اولاد ابنها الذي استشهد قبل ايام في معركة الاسحاقي والغريب في امر المرأة انها من اهل الناصرية وولدها الشهيد ولادته في الناصرية واضطرته الحاجه ان يأتي الى بغداد ليشتري سيارة اجرة صغير ويعمل بها وعندما بدأت العمليات العسكرية التحق الى جبهات القتال بعد فتوى الجهاد ومع بداية شهر رمضان التحق للجبهة لكنه عاد بعد خمسة ايام لان ذخيرتهم نفذت ولم يعد لديهم عتاد يكفي لصد هجوم العدو فباع سيارته بسعر7000دولار واشترى ذخيرة ب7500دولار وظل مطلوبا فوق سعر سيارته واخذ الذخيرة وعاد الى المعركة ووعد اطفاله بان يعود لهم في العيد وهو يحمل لهم الملابس الجديدة لكنه عاد شهيدآ برصاص قناص ولم يحمل الى اطفاله سوى جثته وبدلته التي كانت معطرة بدمه وماء الهور وتراب الناصرية الفيحاء ورغم وجع المرأة وحزنها الكبير لكنها كانت تبكي بلا جزع وكان الصغار ينظرون لها بصمت ولكم تمنيت يومها ان اخبر ذلك الاستاذ الذي حاول المساس من الناصرية عن هذا النموذج المتفرد في الكون الذي لم يسمع به احد على مر العصور ولا نسمع عن مثيل له الا في واقعة الطف من خلص انصار الامام الحسين عليه السلام ولكم تمنيت ان انحني وأقبل تراب قدم تلك المرأة الناصرية التي انجبت هكذا رجل يضحي بكل شئ من اجل الوطن والمقدسات وما ان هممت ان اخرج من دار تلك المرأة حتى قالت لي هل انت من الناصرية ؟فقلت لها لا لكني احب الناصرية واهلها وسردت لها قصتي مع الاستاذ فتبسمت المرأة بوجع وقالت سآخذ الاطفال الى الناصرية هذا العام ليقضوا العيد هناك في مسقط رأس والدهم ويتعلمون من الارض والهور التضحية في سبيل الله والمقدسات وانت يا ولدي عيدك مبارك مقدمآ لأني قد لا اراك مجددآ ..!!ولا اعلم اي فصيلة دم يحمل العراقي الجنوبي ليختلف بطباعه عن الجميع وليكون في المقدمة في كل خطب للدفاع عن الاخرين..ايتها الناصرية يا ام الشهداء والعلماء والشعراء والانبياء والحضارة والعفة كل عام وانت بألف خير يا ثغر العراق وحضارته ..وكل عام وانتم بالف خير.