
مجازر الشيوعيين في الموصل وكركوك.. تاريخ دموي يأبى النسيان
إستغربت أن أقرأ مؤخرا لأحد الكتّاب العراقيين مقالة في تمجيد الشيوعيين العراقيين، وتبرئتهم!!) من المجازر التي إرتكبتها قطعان المقاومة الشعبية
المنضوية تحت لواء الحزب الشيوعي العراقي أبان المد الشيوعي في عهد عبدالكريم قاسم عام 1959. وإذا كان لأي كاتب رأي أو وجهة نظر في الإيديولوجية الشيوعية أو الأفكار الماركسية، فهذه مسألة أخرى لاعلاقة لها بنفي حقائق ووقائع ومآسي شهدناها بأعيننا وعشناها في العراق في مرحلة مقيتة بالغة الدموية. فمن يستطيع أن ينكر المذابح التي قام بها (أنصار السلام) و (المقاومة الشعبية) وهم واجهات الحزب الشيوعي العراقي في كل من مدينة الموصل (آذار 1959) و مدينة كركوك (تموز 1959) من قتل وذبح للمعارضين لهم من العرب والتركمان وسحل الجثث في الشوارع وتعليقها على أعمدة الكهرباء، أو دفنهم أحياء، والصور والوثائق العيانية ما زالت شاهدة فضلا عن شهود العيان وذوي الشهداء الذين مازالوا أحياء!..
لقد قام عبدالكريم قاسم تحت ضغط الشيوعيين بتأسيس ماسميت بميليشيات (المقاومة الشعبية)، وجميع عناصرها من الشيوعيين، بذريعة (الدفاع عن الجمهورية ولمواجهة المد البعثي والقومي) ولكنها كانت في الواقع ذراعاً للحزب الشيوعي العراقي، ومعهم أكراد من أتباع الملا مصطفى الذي أعاده قاسم الى العراق حتى أن قائد المقاومة الشعبية كان شيوعيا كردياً اسمه (طه مصطفى البامرني)، وعاثوا في الارض الفساد، مسلحين يجوبون الشوارع مزهوين بملابس الخاكي، التي لها القوة والشرعية في اللحظات الثورية!!، ولا هَمّ لها غير مضايقة الناس وإشاعة العنف!..ولم يمر من الوقت كثير حتى قامت المجازر الدموية الرهيبة في الموصل وكركوك، والتي قام بها الشيوعيون وراح ضحيتها الآلاف من العراقيين، وقد إستمر وجود ميليشيات المقاومة الشعبية أقلمن عام وحلت بقرار من قاسم، وما زال الناس في كل مدن العراق يستذكرون بألم ومرارة جرائم وممارسات تلك الميليشيات الدموية.
ترى من يستطيع أن ينكر (الحبال) التي كان الغوغاء الشيوعيون يدخلونها معهم إلى قاعة محكمة الشعب (محاكمات المهداوي سيئة الصيت) وهم يلوحون بالحبال لسحل الموجودين في قفص الأتهام، وزعيقهم يصم الآذان (ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة!!)، وهم أول من إبتدع هتاف (ماكو زعيم إلا كريم!!)، لقد تم قتل خيرة أبناء الموصل من العوائل العربية والتركمانية في موجة مجازر آذار 1959 لمجرد أنهم عرب، أو قوميون، أو مؤيدون للوحدة العربية أو للبعث، أو معارضون لطغيان قاسم، واستخدمت سكاكين الجزارين والحبال في تلك الجرائم البشعة التي يندى لها الجبين، وعلقت الجثث في الشوارع، ولم تسلم النساء من تلك الجرائم الوحشية.. وقافلة أسماء الشهداء معروفة ومعلومة.
وفي تموز من نفس العام، إرتكب الشيوعيون أبشع مجزرة بحق التركمان والعرب في مدينة كركوك، أثناء الأحتفال بمرور عام على ثورة 14 تموز، جاء الشيوعيون الى كركوك بحجة الأحتفال بذكرى “كاور باغي” وأستفزوا الأهالى الآمنين غير أن الأهالي تحلـوّا بالصبر لأنهم كانوا على علم بأن مجزرة ما ستحدث ورغم أنهم أخبروا المسؤولين بذلك الاّ أن كل شيء كان مدبـّرا وكانت الخطة محكمة وبكامل علم قاسم، وقام الشيوعيون (بمن فيهم الأكراد!) بالهجوم على كازينو 14 تموز بكركوك وقتلوا صاحبها وسحلوه وهم يهتفون “ماكو مؤامرة تصير والحبال موجودة” بنفس اسلوب ونفس طريقة القتل ونفس الشعارات على طريقة مجازر الموصل ثم إنطلقت حملات القتـل والسحل ورحل الشهيد تلو الشهيد وهم يُسحلون دون ذنب ويُقطّعون الى قسمين بواسطة سيارتين ومنهم شهداء علـّقوا على الأشجار وأعمدة الكهرباء بعد أن جردوهم من ملابسهم للامعان بالأهانة بالجثث، وآخرين قُطعت جثثهم بالحراب والسكاكين ونكل بها أبشع تنكيل. وفي الأرشيف العراقي مازالت لليوم صور كثيرة لأوضاع هؤلاء الشهداء وهم بهذه الأوضاع المأساوية.. كما قاموا بنهب البيوت والمخازن التجارية في كركوك، وهتكوا الأعراض وعاثوا فيها الفساد والرعب وتحوّلت كركوك الى مجزرة بشرية بكل معنى الكلمة. وكان قاسم يتابع ما يجري في كركوك من مذابح دموية وسفك لدماء الأبرياء أستمرت لعدة أيام فلم يتدخل لوقفها في البداية، لأنه كان أسيراً أعمى للضغط الشيوعي!. الاّ أنه بعد مجازر كركوك كان لابد له من أن يعلن براءته من ذلك بالرغم من توجيه أصابع الأتهام اليه كونه المسؤول الأوحد في البلاد.الى أن جاء خطاب قاسم الشهير في كنيسة مار يوسف 29 تموز 1959 حيث قال بالحرف الواحد: ((إن ما حدث أخيراً في كركوك، فأني اشجبه تماماً، وباستطاعتنا أيها الاخوة، أن نسحق كل من يتصدى لأبناء الشعب بأعمال فوضوية، نتيجة للحزازات، والأحقاد، والتعصب الأعمى. أنني سأحاسب حساباً عسيراً أولئك الذين اعتدوا على حرية الشعب في كركوك))، ثم أضاف قاسم قائلاً : ((أولئك الذين يّدعون بالحرية، ويدّعون بالديمقراطية، إعتدوا على أبناء الشعب، اعتداءً وحشياً. إن أحداث كركوك، لطخة سوداء في تاريخنا، ولطخة سوداء في تاريخ ثورتنا. هل فعل ذلك جنكيز خان، أو هولاكو من قبل؟ هل هذه هي مدنية القرن العشرين؟ لقد ذهب ضحية هذه الحوادث 79 قتيلاً، يضاف إليهم 46 شخصاً دُفنوا أحياء، وقد تم إنقاذ البعض منهم)) إنتهى كلام قاسم. وفي مؤتمر صحفي عقده قاسم بنفس اليوم أظهر للصحفيين الحاضرين صور مجازر كركوك التي ارتكبها الشيوعيون وعلق قائلا: ((إن هذا لم يحدث في عهد هولاكو!!)) متناسياً أن كل ذلك حصل في عهده الذي تميـّز بكونه أسوأ من عهد هولاكو ولم يدرك بأنه ينتقدنفسه بنفسه ويهينها بدون وعي!، فعبد الكريم قاسم هو الذي أتاح الفرصة للشيوعيين العبث في أمن المواطنين لا سيما من يحملون في دواخلهم أحقادا قديمة. هذه الفئة الضالـّة التي أستطاعت بذر الأحقاد وأيجاد طرق حديثة في القتل والسحـل جرت تحت عين وبصر قاسم الذي تجاهل جميع الشكاوي الشخصية والمذكراتالرسمية التي قد ّمت له وكأنه في سبات دائم، في الوقت الذي أستمرت هذه الفلول تهدّد وتقتل بأساليب جديدة الغرض الأساس منها كان لأشاعة روح التفرقة والبلبلة لكي يسهل عليهم الصعود الى دفة الحكم.
ان محاولات البعض تبرئة الحزب الشيوعي العراقي من هذه الجرائم والمجازر تتناقض وحقائق الوقائع والأحداث المأساوية التي عاشها العراقيون وشهدوها، وهي موثقة بالصوت والصورة، وتمت محاكمات للمجرمين ونالوا جزائهم العادل، ولقد أثبت التأريخ بأن هذه المجازر لم تكنلتحصل لولا وجود قوى شرّيرة درّبت وحرّضت عناصر الشر على أساليب الفتك وزودتهم بالأسلحة وأدوات التخريب لغرض القتل وعدم الأكتفاء بذلك بل التمثيل والسحل ونشر الرعب والخوف دون إكتراث بالقوانين والأعراف والتقاليد، ودون مراعاة لحرمة الإنسان، وهم ذاتهم روّعوا البلاد بهذه المواقف الإجرامية أبتداء بإنتهاك التشريعات والقوانين وأهانة الدين والرسول والمقدسات الأسلامية والطعن في الذات الآلهية، وأنتهاءا بالمجازر الدموية.. فهل يجوز بعد كل ذلك أن نتغافل كل آثام الشيوعيين وجرائمهم الموثقة ونصدر لهم صك البراءة؟ ونتناسى دماء الشهداء والضحايا الابرياء؟