
رفض الإسلام تقليد الآباء فكريّاً
نظر القرآن الكريم إلى العقل وإلى دوره الكبير في حياة الإنسان من جميع جوانبها الفكريَّة والعمليَّة، وخلص إلى نتيجة حاسمة، وهي رفض الإسلام لأيّ اتجاه أو سلوك يبتعد عن الإطار العقليّ في شكله وطابعه، ومنطلقه وأبعاده…
وعلى ضوء ذلك، نفهم رفض الإسلام للفكر الَّذي يرتكز على أسسٍ انفعاليّةٍ وعاطفيّة، وللسّلوك الإنسانيّ الّذي يرتكز على هذا الاتجاه…
وقد نجد من الخير أن نعرض لشاهد قرآني من أوضع الشَّواهد على ذلك، في الحملة الّتي شنّها الإسلام في القرآن على أولئك الذين يبرّرون أفكارهم وعقائدهم، باعتقاد آبائهم بها وانتمائهم إليها، نظراً إلى الروح الانفعاليّة الَّتي تنطلق من فكرة تقديس الآباء وتعظيمهم، ومن الشّعور بضرورة السَّير على خطى الآباء والأجداد، لأنَّ الانحراف عن ذلك يخلق في داخلهم الشعور بالعار من جهة، وبالإساءة إلى ذكراهم من جهةٍ أخرى…
وكان القرآن حاسماً في ذلك كلّه، فالقضيّة عنده أنَّ علاقة الأبوّة وكلّ علاقات القرابة، لا تفرض على الإنسان إلا التّعاطف والتّراحم، والانسجام مع المشاعر العاطفيّة الخاصّة، سواء في ذلك حال الحياة وحال الموت…
أمّا العقيدة، أمّا خطّ السّير في الحياة، فلا يخضع لأيّ شيء من ذلك، لأنّه مرتبط بدراسة الفكرة في ذاتها، وفي موقعها من الواقع..
وإذا كانت القضيّة تسير في هذا الاتجاه، فلا بدَّ من التجرّد ومواجهة الموقف بموضوعيّة كاملة لا تنظر إلا إلى طبيعة الفكرة، بعيداً عن كلّ المؤثّرات العاطفيّة الَّتي لا معنى لها…
وبذلك ألغى الإسلام كلّ اعتبارٍ للعلاقات الإنسانيّة في حال العقيدة، وحطّم كلّ قداسة للماضي الَّذي يرتبط الإنسان بجذوره، ليفسح المجال للفكر كي ينطلق ويتحرّك بكلّ قسوة وجفاف ـ إن صحّ التّعبير ـ…
وربما تتّضح الصّورة أكثر في هذه الآيات الكريمة: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[البقرة:170].. {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آَبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ}[المائدة: 104].. {وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُكُمْ}[سبأ: 43].. {بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آَبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آَثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ* قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آَبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ}[الزخرف:22ـ 24]…
فهنا منطقٌ يرتكز على أساس الحالة النفسيّة الَّتي ترفض الانحراف عن خطّ الآباء، وتعتبر مخالفة أيّ فكرة لهذا الخطّ سبباً كافياً لرفضها وجحودها…
أمّا منطق القرآن، فيرفض ذلك كلّه بقوّة، فهو يريد أن يفتح عيونهم على ذهنيّة آبائهم وتخلّفهم وإمكانيّة ابتعادهم عن الحقّ والهدى، أو عدم إدراكهم للأبعاد الحقيقيّة لذلك كلّه، ويوجّههم إلى أن يواجهوا الموقف من خلال قناعاتهم وتأمّلاتهم الخاصّة، بعيداً عن الشّعور بقداسة الآباء والأجداد…