القيادة الحقة فكرية وليست ثورية…

تفاجئ الكثيرون عندما صدر كتابه (أضواء على ثورة الإمام الحسين “عليه السلام”)(١) وتوقفوا عند رأي له في رفض الثورة والتضحية، فقد كان الكثيرون يعتقدون أن السيد الصدر يمثل الامتداد الثوري لأستاذه السيد محمد باقر الصدر، فأصبح رأيه هذا مثار نقاش وجدل محتدم فالبعض كان يرى فيه تراجعاً وهزيمة، والبعض كان يرى أنه صدر منه تقية من النظام، وكان القليلون يعرفون أنه يمثل استراتيجية في منظومته الفكرية، وجاء هذا الرأي في معرض حديثه عن ثورة الامام الحسين وتكاليف الأجيال تجاهها:
((وقد يخطر في البال: في حدود هذه التضحيات المشار إليها أن الأجيال كلها يجب أن تكون مثل الإمام الحسين (عليه السلام) في تضحيته الجسيمة وفعلته الكريمة. فتضحي بالنفس والنفيس في سبيل الأهداف التي قتل لأجلها الحسين (عليه السلام).
وجواب ذلك: إن الأمر ليس كذلك باستمرار، وإنما قد يحصل ذلك أحياناً قليلة، ولا يحصل ذلك أحياناً كثيرة، وكل فرد يجب أن يحسب تكليفه الشرعي أمام الله عز وجل. ونشير فيما يلي أن التكليف الشرعي كثيراً ما لا يقتضي ذلك على عدة مستويات:
المستوى الأول: إن التضحية التي أرادها الحسين (عليه السلام) واستهداف حصولها وقد حصلت فعلاً هي من الأهمية والعظمة بحيث لا تكون مقدورة لأحد إطلاقاً. وإن زعم الزاعم أنه يتحملها إلا أنه يخدع نفسه لا محالة يكفي في أنه سلام الله عليه معصوم، وأعمال المعصومين بلا شك فوق طاقة الأفراد الاعتياديين مهما تصاعدوا في درجات الإيمان والأخلاق. ومن هذا القبيل ما قاله أمير المؤمنين عن زهده: ألا إنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني -يعني على أنفسكم الأمَّارة بالسوء- بعفة وسداد….. الى آخر ما قاله.
المستوى الثاني: إنه لو كانت تضحيات الحسين (عليه السلام) واجبة على الأجيال بعده لكان أولى من يقوم بها أولاده المعصومون (عليهم السلام). مع العلم أنه لم يفعل ذلك ولا واحد منهم. إذن فلماذا يجب أن يكون تكليفنا في الأجيال المتأخرة مثل تكليفه، ولا يكون تكليف وعمل أولاده، مع أنهم جميعاً معصومون؟. يكفي أننا يمكن أن نأخذ بعمل العدد الأكثر من المعصومين وهو الهدوء وليس الثورة، فإن أولاده المعصومين تسعة وهو واحد.
المستوى الثالث: إن الأصوب ولأحجى لكل جيل هو أن ينظر الى تكليفه الشرعي أمام الله سبحانه هل هو التضحية أو التقية. ولا شك أن التكليف الغالب في عصورنا هذه عصور الغيبة الكبرى هو التقية وليس التضحية لمدى تألب الأعداء وترصدهم في العالم ضدنا من كل صوب وحدب. بدون وجود طاقة فعلية عند ذوي الإخلاص لمقابلتهم ومضادتهم. ومن تخيَّل فيه هذه القابلية، فهو متوهم سوف يثبت له الدهر -أعني بالتجربة- وهمه. والأفضل له العمل بالتكليف الفعلي وهو التقية المنتجة لحفظ أهل الحق من الهلاك المحقق. في أي نقطة من نقاط هذا العالم المعروف(٢))).
والحق أن ما قاله يعنيه تماماً وليس من قبيل التقية أو التكتيك، وتوجد كلمات أشد من هذه في مؤلفات أخرى سبقت هذا الكتاب، فهو يؤكد:
((إن المحاربين والمعارضين مهما أوتوا من جهد وقوة أو كثرة أو قلة، لن يستطيعوا أن يغيروا قضاء الله وقدره. وإن لكل حكم مهما كانت صفته أمداً يبدأ به وينتهي إليه، ولا رادَّ لقضاء الله سبحانه بذلك.
فعن أنس بن محمد، عن جعفر بن محمد “عليه السلام”، عن آبائه “عليهم السلام” (في وصية النبي صلى الله عليه وآله لعلي “عليه السلام”، قال: ياعلي، إن إزالة الجبال الرواسي أهون من إزالة مُلكِ لم تنقضِ أيامه).
وقال الامام السجاد زين العابدين في الدعاء: ذلَّت لقدرتك الصعاب، وتسببت بلطفك الأسباب، وجرى بقدرتك القضاء، ومضت على إراته الأشياء، فهي بمشيئتك دون قولك مؤتمرة، وبإرادتك دون نهيك منزجرة. أنت المدعو للمهمات، وأنت المفزع في الملمات. لا يندفع منها إلا ما دفعت، ولا ينكشف منها إلا ما كشفت. الى أن يقول: فلا مصدر لما أوردت، ولا صارف لما وجهت، ولا فاتح لما أغلقت، ولا مغلق لما فتحت، ولا ميسَّر لما عسَّرت، ولا ناصر لمن خذلت… الى آخر الدعاء.(٣))).
لم يكن سوء الفهم لمنظومته خاصة بالبعيدين عنه، بل في أكثر القريبين منه إلا من كان قد استوعب واطلع على كتاباته وتأمل بكلماته، فهو على الرغم مما سمعنا تواً يرفض التقاعس ولكن ليس بالعمل المسلح أو السياسي ذلك الوقت، فقد كان هذا التوجه سبباً لتدمير الحركة الاسلامية والقضاء على عشرات الآلاف من الشباب الرسالي، إذ وفق رؤيته هذه أن التغيير لا بد أن يحصل داخل المجتمع الإسلامي، في أخلاقياته والتزامه بتعاليم دينه وتطوير فكره ووعيه، وهو على الرغم من وعيه تماماً لضعف الدولة العراقية آنذاك وأنها تنازع وفي أيامها الأخيرة إلا أنه يعي أيضاً أن الغرب لم يكن ليدع الحركة الاسلامية تنتصر في العراق من دون أن يسحقها كما فعلت الولايات المتحدة وحلفاؤها في الانتفاضة، فلم يعط الذريعة للنظام العراقي أو للهيمنة الدولية بالقضاء المبكر عليه وعلى حركته، وقد لاحظنا أن القيادات المعارضة للنظام خارج العراق كانت ساذجة جداً في تسابقها لإسقاط صدام ونظامه، فهم وفق رؤيتهم هذه اضطروا آخر المطاف الى أن يرتموا في أحضان (الشيطان الأكبر) ليسقطوا نظام صدام، وأن يقوموا بأخطر عملية استسلام في تأريخ التشيع، وبالرغم من أسبقيتهم بالعمل إلا أن السيد الصدر الذي جاء بعدهم بعقود استطاع أن يغيَّر المعادلة فتخطيطه ومشروعه كان التغيير الداخلي والوعي، أما مشروعهم كان اسقاط صدام والوصول الى السلطة، فوصلوا الى السلطة وسيصلون ولكنها سلطة سنوات محددة بمجرد انقضائها ينقضي ويمحى كل تأريخهم وما عملوا وضحوا من أجله، أما هو فباق ما بقي مشروعه وهو طويل الأمد جداً ويمتد في عمق التأريخ المرتبط بأسلافه الذين حافظوا على مبادئهم وتعاليمهم ليسلموها نقية لمن بعدهم، ويمتد في عمق المستقبل حيث يبقى ويذهب السلطان، ولكنه أيضاً كان يخطط لدولة، ولكنها دولة من شكل آخر، ولم يكن يفكر أو يطمح أن يكون على رأسها، أو تكون في حياته، وهذه الدولة بيَّنها بصورة لم تسبق في تأريخ البشرية، ودخل في عمق تفاصيلها، ولسنا هنا في صدد المبالغة والتمجيد، فكتابه (اليوم الموعود بين الفكر المادي والديني) هو النظرية على حدَّ تعبيره، أما التطبيق فله شأن آخر ويوم قادم لا محالة.
___________________________
(١) طبع هذا الكتاب في بيروت والطبعة الثانية في قم وقام الناشر في قم بحذف فقرة تحدث فيها السيد الصدر عن تحضير الأرواح، بعنوان أن هذا الكلام خزعبلات (كلاوات) حسب الناشر، وهذا نموذج عن الإمانة العلمية لمثل دار النشر هذه.
(٢) الصدر، محمد، أضواء على ثورة الامام الحسين، ص٨١-٨٢.
(٣) الصدر، محمد، ما وراء الفقه، ج٢ ق٢ ص.
——————–
الشيخ المفكر عباس الزيدي، قيادة الحركة الإسلامية في العراق ١٩٨٠-٢٠٠٣، ص٢٣٨-٢٤١.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار