النهضة الحسينية وأفضلية الفكر على العاطفة

قيل ( إن الحسين عِبرة وعَبرة ) ، فالعِبرة – بكسر العين – تعني الفكر ، والعَبرة – بفتح العين – تعني العاطفة ، فاهتم المؤمنون بالحسين عليه السلام عِبرةً وعَبرةً وكل بحسب مستواه الفكري والإيماني والثقافي والعقائدي ، إلا أننا نشهد في الآونة الأخيرة تركيزاً عجيباً على العاطفة وتقصيراً في الجانب الفكري ، فجميع ما نراه من مراسيم عاشورائية هي مراسيم عاطفية بالدرجة الأولى وقلما نستفيد منها لنصل الى الفكر الحسيني ، فالمجالس الحسينية تستغرق جلّ وقتها في النعي وتترك القليل للفكر ، وبعض المجالس لا تتطرق للفكر أصلاً ، كذلك نجد اللافتات تقليدية لا تحمل فكراً تطبيقياً وبرنامج عمل للأمة وإنما مجرد شعارات قد يفهمها ويطبقها من يقرأه وقد لا يكون ذلك ، ونرى الإبداع والتطور في السلوكيات العاطفية للمراسيم العاشورائية بينما لا نجد مثيلها على مستوى الفكر .
ولكن قد يسأل سائل : إن للعاطفة دور في إحياء ثورة الإمام الحسين عليه السلام فلماذا تعترضون على أن تكون العاطفة أهم من الفكر ؟ فما أفضلية الفكر عليها ؟
وسيكون جوابنا على هذا التساؤل بعدة نقاط :
– إن العاطفة بصورة عامة غير محبذة في مستويات الكمال العليا ، فمثلاً يرفض علماء العقيدة أن نعتبر حب الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وآله وسلم لفاطمة عليها السلام أو للحسن والحسين عليهما السلام جاء نتيجة العاطفة ، نعم جزء منه عاطفة باعتبرهم ابناؤه ، ولكن لو لم تكن فاطمة عليها السلام ابنة النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم أو أن الحسن والحسين عليهما السلام لم يكنا ابني بنت النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكان حبه لهم متساوٍ لأنه يحبهم في الله لا لأنهم أبناؤه ، لذلك من هذا الباب العاطفة تكون أقل شأناً من الفكر والعقيدة .
– إن العاطفة في قضية الإمام الحسين عليه السلام هي وسيلة للوصول الى الفكر الذي نهض من أجله والدين الذي يحمله ذلك الفكر ، فقد أوضح ذلك بنفسه عليه السلام عندما قال : ( لم أخرج أشراً ولا بطراً وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، أأمر بالمعروف وأنهى عن المنكر ) ، فقد حصر خروجه بالإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وهذا الحصر لا يعني أنه لم يخرج من أجل الصلاة أو الصيام أو مقارعة الظالم لأن هذه الفروض تندرج ضمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ولم يقل خرجت حتى تلطموا علي أو تحزنوا على قتلي ، وإنما جاء الحزن بعد مقتله عليه السلام كي نصل الى الفكر والهدف الذي جاء من أجله ، فإن بقيت العاطفة وسيلة وأوصلتنا للهدف المنشود كان مكانها صحيحاً ، وإذا تحولت الى غاية أو أنها بقيت وسيلة ولكنها لم توصلنا الى ما أراده الحسين عليه السلام فستكون العاطفة فاقدة الصلاحية لا جدوى منها وسنبقى في دوامة مفرغة .
– أن الفكر يُنسب الى الحسين عليه السلام بينما لا تُنسب العاطفة له سلام الله عليه ، حيث لا نسمع عاطفة الحسين بينما نسمع فكر الحسين عليه السلام ، نعم يمكن أن نتناول مفردة من مفردات العاطفة كان يتميز بها الإمام عليه السلام فنستفيد منها لفهم فكره المبارك عليه السلام .
– إن الفكر غير قابل للانحراف بالدرجة التي نجدها عند العاطفة ، لأن الفكر الأصيل يكون محصناً وله ضوابط وعليه علماء حكماء يصونونه من كل زلل ، بينما نجد الانحرافات تتوالى وتتطور في الجانب العاطفي ، فمرة نسمع الشاعر يصوغ صياغة غير شرعية من أجل استدرار الدموع أو أن الرادود يستحدث طوراً أقرب للغناء كي يجذب العوام أو يبتدع البعض سلوكيات غريبة على نهج أهل البيت عليهم السلام .
– الفكر يكون عادة أصيلاً مرتبطاً بجذور متجذرة في عمق التاريخ ، بينما تجد العاطفة متأثرة بالأجواء الاجتماعية وقد تستورد أساليب من بلدان وحضارات بعيدة عن حضارة الإسلام ، وبالتالي فأصالة الفكر أعمق من أصالة العاطفة وقد تكون العاطفة في بعض جزئياتها بلا أصالة .
– إن قيمومة الرجل على المرأة جاءت بسبب ما يتمتع به الرجل – من حيث الأصل وهذا ليس بالضرورة قاعدة تنطبق على كل الرجال – من طبيعة تكوينية تمتاز بالميل نحو العقل على العاطفة ، بينما نجد المرأة تمتاز بميل للعاطفة على العقل ، وما جعل الله قيمومة الرجل على المرأة إلا بما فضله الله بالاعتماد على العقل أكثر من العاطفة من المرأة .
– هناك نماذج تاريخية واقعية استفادت من الحسين عليه السلام فكراً من دون الاعتماد على العاطفة ، نعم العاطفة هي التي أوصلت الفكر الحسيني الى زماننا هذا بحيث انتفع منه رجال حكماء وزعماء في شتى انحاء العالم وأبرزهم غاندي ، فهذا الرجل الهندي البوذي لم يكن مسلماً ولم يكن شيعياً ولكنه استفاد من فكر الإمام الحسين عليه السلام رغم أنه لم يلطم ولم يبكي ولم يطبّر ، ونحن المسلمون والشيعة بالخصوص نلطم ونبكي ونطبّر ولم نتقدم شيئاً نحو الحسين عليه السلام ولم نستفد شيئاً منه سلام الله عليه ، فاستفاد غاندي بفضل الفكر وخسرنا نحن بسبب اكتفائنا بالعاطفة ولم نجعلها طريقاً لنا للوصول الى الفكر .

في الختام لا بد من التأكيد على أن العاطفة والفكر مطلوبان في فهم نهضة الإمام الحسين عليه السلام ولكن يبقى لكل دوره ، فالعاطفة هي من ساعدتنا على فهم الفكر الحسيني ، ولولاها لما وصلتنا النهضة الحسينية ولولاها لما استفاد غاندي وغيره من الفكر الحسيني ، ولكن أن يبقى المؤمن في طور العاطفة ولا يتطور وينتقل الى الفكر الذي جاء به الحسين عليه السلام فكر جده وأبيه صلوات الله عليهما فهذه هي المشكلة ، فإن كان هناك طريق للوصول الى الفكر الحسيني غير العاطفة فليسلكه المؤمن لأن الغاية كما قلنا هي الفكر وما العاطفة إلا وسيلة .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار