
شَخصُ الإمام المهدي (عليه السلام) في بُعديه الواقعي والتشريعي/ القيمَةُ والآثار
لاشَكَّ في أنَّ الإمامَ المهدي له واقع خارجي وشأن خاص به يُمارس فيه وظيفته الإلهيَّة في الهداية وحفظ الكتاب العزيز بأحكامه وشرائعه وغاياته الشريفة وإن لم ندرك ذلك ظاهرا وحسّا.
إذ بوصفه إماماً معصوماً ومنصوباً من قبل الله تعالى تتأكد ضرورة الاعتقاد و الوعي والمعرفة بواقعية وحقيقة وجوده الشريف و مشروعه الحكيم المُؤسَّس له إلهيَّاً
أما البُعد الواقعي أو بُعد ما وراء الحس والعيان .
فهذا يكتسب قيمته و وصفه من الارتباط بعنصر الغيب المكنون في واقع القضية المهدوية ومصداقها الإمام المهدي
وهذا البعد الواقعي قد تناولته الروايات المتواترة والصحيحة بكثرة وبصورة لا تقبل نكران الحقيقة
عن أبي جعفر : عليه السلام : قال :
( لو بقيتْ الأرضُ يوماً واحداً بلا إمام منّا لساختْ الأرض بأهلها
:أي: تفككتْ أجزائها وتلاشتْ: وهو تعبير كنائي عن الهلاك.
ولعذبهم الله بأشد عذابه وذلك أنَّ اللهَ جعلنا حجة في أرضه
وأماناً في الأرض لأهل الأرض لن يزالوا بأمان مِنْ أن تسيخ بهم الأرض
ما دمنا بين أظهرهم فإذا أراد الله أن يهلكهم ، ثم لا يُمهلهم
ولا ينظرهم ، ذهب بنا من بينهم ثم يفعل الله تعالى بهم ما يشاء )
:الكافي : الكليني :ج1:ص178.
وهذه الرواية تعني أنَّ في حقيقة الامام المعصوم بعدٌ تكويني وواقعي له آثاره الوجودية قطعا كما هو حال وجود النبي الأكرم محمد :صلى الله عليه وآله وسلّم:
إذ كان لوجوده الشريف في حد ذاته ولغيره من الناس قدراً كبيرا في القيمة والآثار والمُعطيات بحيث يرتهن بقاء الناس في أمانٍ ببقاءه حيّا.
وهذه الحقيقة الشريفة قد بيّنها القرآن الكريم نصّاً
قال الله تعالى:
(( وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ )) الأنفال33
بمعنى : إنَّ وجود المعصوم نبيٌ أو إمام هو بمثابة علة الامان والحفظ لنوع الإنسان على هذه الأرض .
ذلك باعتباره هو مَنْ يعمل على إرساء دعامة التعايش البشري وفق عقيدة وشريعة الله تعالى في أرضه
بحيث إذا ارتفع وجوده الشريف من بين الناس لحلَّ العذاب والهلاك بهم
لما يحصل من الفساد والاختلال والظلم في التعايش حياتيا وبسبب تلبس الناس بالذنوب والمعاصي بصورة دائمة.
قال اللهُ تعالى:
(( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ )) النحل61
(( وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً )) فاطر45
وهذا التأخير إلى أجل مُسمّى إنما يكون بفعل أثر وجود المعصوم فيهم واقعاً و بين الناس واستغفارهم في فترة توبتهم ورجوعهم إلى الله تعالى.
ويُمثِّل البعد القيمي في واقع وجود الإمام المهدي( عليه السلام ) أيضاً جانب بقاء الحجة الإلهيَّة واستدامتها وجوداً كحجة إلهيّة حدوثاً وبقاءً وإن كانتْ في طور الغيبَة المؤقتة
فهي تفي بالغرض الإلهي في شد الناس وربطهم اعتقاداً بوجود إمام معصوم حجة عليهم
سيظهر ليملأ الأرض قسطا وعدلا كما مُلِئِتْ ظلما وجورا.
وممكن القول إنَّ البعد القيمي في واقع وجود الإمام المهدي يُمثِّل أيضاً الامتداد العمودي بين السماء والأرض
بمعنى :صيرورة الإمام المعصوم سبباً عموديا في استنزال ما تدبّره السماء إلى الأرض
من علم وحكمة وتشريع وخيرات وغيرها مما يصب في مصلحة الناس أجمعين.
ولا نقصد هنا بالسبب أو الامتداد العمودي هو الوحيَّ الاصطلاحي كالذي ينزل على الأنبياء
لا بل هو العلم اللدني للإمام المعصوم والتسديد الإلهي له .
وإن كنّا نعتقد بإمكان أن تُحدّثهم الملائكة أو تلهمهم من علم الله وحكمته سبحانه.
وهذا المعنى قد أرشدتْ إليه الروايات الصحيحة أيضاً
عن أبي سعيد الخدري أنَّ النبي محمد ( صلى الله عليه وآله وسلّم )
قال :
( إنِّي أوشك أن أدعي فأجيب وإنِّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله عز وجل وعترتي
كتاب الله حبل ممدود بين السماء والأرض وعترتي أهل بيتي
وإنَّ اللطيف الخبير أخبرني أنَّهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
فانظروا بماذا تخلفوني فيهما )
: كمال الدين وتمام النعمة : الصدوق :ص235.
والروايات ذاتها قد بيَّنتْ في متونها أنَّ هذا الحبل الممدود بين السماء والأرض
طرفه الأول من جهة السماء هو بيد الله تعالى
وطرفه الثاني من جهة الأرض هو بيد المعصوم ونعني به هنا الإمام المهدي
وهذا الحبلُ يُمثل جانب الارتباط بالله تعالى والعهد والذمة وحتى السببيّة .
أما البعدُ التشريعي في وجود الإمام المهدي فهو يتجلى بالامتداد الافقي بين الناس
ذلك لما تختزنه ذات المعصوم من علوم السماء وحكمتها وتشريعاتها الهادفة.
فالإمام المهدي هو مَنْ يعرف الحلال والحرام واقعا وهو مَن يعرف الحق من الباطل
وهو مَن سيدعو الناس إلى سبيل الله وقد جرت إرادة الله تعالى الحكيمة
على أن لا تخلو الأرض من حجة يهدي الناس إلى سبل الرشاد ويُصلح حالهم ويقوِّم نظامهم .
عن أبي بصير ، عن أحدهما :عليهما السلام:
قال:
( إنَّ اللهَ لم يدع الأرض بغير عالم ولولا ذلك لم يُعرف الحق من الباطل )
عن أبي بصير ، عن أبي عبد الله الإمام الصادق :عليه السلام :
قال :
( إنَّ الله أجل و أعظم من أن يترك الأرض بغير إمام عادل)
عن أبي عبد الله عليه السلام:
قال :
( ما زالتْ الأرضُ إلاّ ولله فيها الحجة
يعرف الحلال والحرام ويدعو الناس إلى سبيل الله )
الكافي : الكليني : ج1:ص178.
وهذا البعدُ التشريعي في واقع وجود الإمام المهدي ( عليه السلام ) قد أخذ في حركته جانب الغياب المؤقّت لما فرضته الغيبة الكبرى من ضرورات واضطرار على شخص الإمام المهدي بحيث عملَ على تدريب المؤمنين على ضرورة تفهم وضع المعصوم في حال عدم قدرتهم على الاتصال به وضرورة الرجوع إلى النواب العامين وبالشروط الشرعية والأخلاقية والعلمية والتي تُشابه اليوم في عصرنا هذا عصر الغيبة الكبرى شرائط المُجتهد المُؤَهَل للتقليد والجامع للفقاهة والعدالة
حيث روي أنه قال : في توقيعه الشريف:
( أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجتي عليكم وأنا حجة الله )
:كمال الدين وتمام النعمة: الصدوق: ص484.