سلسلة حكايات من بلادي ـ قصة قصيرة . ليلة عاشوراء

بغداد .. كلية التربية .. وخمس وأربعون دقيقة من الحوار الساخن مع أستاذ الثقافة القومية ، الذي أُسندت إليه وزارة التعليم العالي مهمَّة تسميم الجيل وغرس العفن في رؤوس أبنائه. ومائة وخمسون طالبا وطالبة اُجبروا على الحضور إلى قاعة الدرس بعد أن أعلنت العمادة رفضها لعذر من يتخلف.
هنأ الأستاذُ الحاضرين بمناسبة حلول العام الهجري الجديد .. وبدأ حديثه بمقدمة للرئيس القائد صدام حسين (عن الأمم التي ليس لها تأريخ ، والتي لا يمكن أن يكون لها مستقبل).. ثم أضاف :
وامتنا العربية المجيدة لها تأريخ مشرق لولا بعض الهنات هنا وهناك ، والتي عطّلت المسير وأخّرت التقدم .. ومن تلك الهفوات خروج بعض أولاد علي ضد أمير المؤمنين يزيد بن معاوية .. الأمر الذي زعزع النظام وأربك المسير وتسبب في نزاعات ما نزال نرزح حتى اليوم تحت وطأتها .
ولم يتمالك جعفر (من بغداد حي العامل) نفسه ، فألتفت إلى زملائه يحرّضهم على الردّ .. ثم نظر إلى الأستاذ وقال :
ـ ولكن الإمام الحسين (عليه السلام) لم يخرج أَشِرا ولا بَطِراً .. وإنما خرج طلبا للإصلاح في أمة جده..
ففتح أستاذ البعث عينية مُغضباً .. واصطنع الابتسامة وردّ بدهاء ، بعد أن غيّر نبرته :
ـ كان يمكن للحسين أن يصبر قليلاً .. ثم أليس من الأفضل أن يجلس أولاً إلى طاولة الحوار مع خليفة المسلمين وأن لا يشقّ عصا الطاعة .. من أجل السلام والمحبة على الأقل !!
ولم تصبر يقين (من الناصرية سوق الشيوخ) أمام هذا الالتواء ، فردّت منفعلة :
ـ وأين يجد الإمام الحسين هذه الطاولة ؟؟..أفي الكوفة حيث القتل والتنكيل ؟؟.. الذي ضجّ منه المسلمون ، أم في الشام حيث الغناء والقرود والملاهي ؟!!
فسقط الطبشور من يد أستاذ الثقافة القومية .. المكلّف بإعداد جيل يؤمن بأفكار البعث ويُسبّح بمنجزات رموزه.
سقط الطبشور من يده .. ولكنه ظل متماسكا يصطنع الصلابة ، فليس من المعقول أن ينهزم أمام طلابه في أول جولة.
وما بين كرٍّ وفرٍّ ، ينتهي وقت المحاضرة ، فيسرع الأستاذ إلى مكتبه ، ويرفع السماعة ويذكر الأسماء والتفاصيل.
الواحدة ليلاً..
يُلقى جعفر وهو يرفس في مؤخرة سيارة لاندكروز معصوب العينين والفم .. وقد آلمته ضربات رجال الأمن القوية .. ثم يرمى على وجهه فوق بركة من الدم في محجر مظلم بمنتهى القسوة ..
وما هي إلا دقائق .. حتى زلزلت صرخات يقين محاجر مديرية الأمن العامة .. وأخذ الأوغاد يجرّونها ومعها عجوز تعلوه الدماء لعله العم أبو عباس حارس الأقسام الداخلية ، الذي أبت غيرته أن يترك الوحوش يجرجرون بنات الناس فأختار أن يظلّ إلى جانب يقين هذه الليلة ..
ثم هاهم علي (من النجف) ، وسالار (من شقلاوة) وأنمار المسيحي (من بغداد الجديدة) ، ومعهم كلّ من دافع عن الحسين والحق ولو بشطر كلمة..
جاءوا بهم جميعاً ..
علَّقوهم وعذَّبوهم وأخذوا يجلدونهم بقسوة ..
لكنهم كانوا يضحكون ..
يبكون ويضحكون ..
تنهمر دموعهم لأن الليلة التي يتعذبون فيها من أجل الحسين كانت ليلة عاشوراء الأليمة .. التي اخبر فيها الإمام أصحابه أن الجنان ستلبس أبهى ثيابها لاستقبال من يموت منهم من أجل الحقيقة ..
وكانوا يضحكون أيضاً.. لأن أمين أخبرهم أنّ الإمام الحسين زاره أول الليل في رؤيا جميلة ومسح على رأسه بحبّ ..
ويزداد ضحكهم أكثر ، وهم يكتشفون أن الجلاّد الموكل بتعذيبهم ، كان قد تلقى أوامره من ضابط جديد زار زنزانتهم في هذه الليلة .. ضابط عنيد أمعنوا النظر في ملامحه فعرفوا انه أستاذ الثقافة القومية .. الحريص على تثقيف الجيل .. والمولع بالسلام والمحبة ، والمهتم بالحوار والثقافة !!!

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار