تعد المتناقضات في السمات الإنسانية من ابرز الثنائيات التي تتكون منها شخصية الفرد ، ولا تقتصر هذه الثنائيات المتناقضة على صفات الشخصية الإنسانية وإنما تتعداه الى الأفعال والحال وحتى على مستوى الألوان ، على سبيل المثال لا الحصر ثنائيات ( البكاء والضحك ، السعادة والتعاسة ، الخير والشر ، الممكن والمستحيل ، الفشل والنجاح ، النور والظلام ،النوم والصحوة ، الجد والهزل ، الصحة والمرض ، الموت والحياة ، البداية والنهاية ، الحب والكره ، القبح والجمال ، الرقة والقسوة ، الحرب والسلام ، الرفض والقبول ، الحق والباطل ، الوفاء والغدر ، السلبي والإيجابي ، الأبيض والأسود ….. الى أخره من المتناقضات )
فلكل سمة إنسانية نقيضها ولكل فعل نقيضه حتى على صعيد الظواهر الطبيعية ، فقوانين الطبيعة والفيزياء ليست حكراً على العلوم المجردة فحسب بل تنطوي على الأفعال والسمات البشرية والمجتمعات الإنسانية .
في اعتقادي أن الحياة الإنسانية عبارة عن ثلاثية ، فأنها تصب في ثلاثة قوالب ، فأنا لا أؤمن بفكرة التطرف المطلق في الأفكار والأفعال ، إلا في حالة فقدان الفرد كل القيم الإنسانية التي تميزه عن باقي المخلوقات ، وقتئذٍ يصبح خارج المنظومة الإنسانية ، ومفهوم التطرف في الأفكار هو تجاوز حد الاعتدال والحدود المعقولة ، إي المبالغة فيها ، بمعنى أخر أن المطلق بحد ذاته لا وجود له ، وان وجد فأنه مقونن الى حد كبير ، لو أخذنا احد هذه الثنائيات المتناقضة كاللونين الأسود والأبيض ، فما بين هذين اللونين هناك اللون الرمادي ، وهذا هو ثالث رافد في ثلاثية الحياة ، قد يتبادر في الأذهان سؤال مهم جداً ، إلا وهو .. لماذا ليست رباعية او خماسية او أكثر ؟ بما أن التدرج بالألوان وارد فكلما اقترب الرمادي من البياض كان فاتحاً وكلما اقترب من السواد كان أغمق ، نعم هذا صحيح وهذا هو مغزى هذا المقال وما أودّ الوصول إليه ، فالتدرجات ما بين الأسود والأبيض كلها تُصهر في بوتقة الوسطية ، ومفهوم الوسطية هو الاعتدال في كل مجالات الحياة ، وتعتبر أحسن الأمور وأفضلها وأكثرها نفعاً للإنسان وذلك أن طبقت بوعي و على أساس فكر سليم ، ولا تعتبر مجرد موقف ما بين الانحلال وبلوغ أعلى درجات السقوط وبين التشدد للغاية في الوصول الى أقصى درجات الاستقامة والطهارة ، فلا يوجد إنسان لا يخطأ وبالوقت ذاته لا يوجد إنسان تجرد من إنسانيته بشكل مطلق ، فما بين طرفي النقيضين بحر واسع يتدرج ما بين السلب والإيجاب ، وهذا يتجلى بقولبة الوسطية في ثالوث الحياة من اجل البقاء والتعايش مع كل الظروف ، فما بين الجهل والعلم وما بين الغنى والفقر ، بحر واسع ، حين يعرف الإنسان الغوص فيه عن طريق استغلاله لكل أدواته المعرفية والفكرية ، بالتالي سيساهم كل فرد في المجتمع ببناء نفسه أولا وبناء جيل ذو أفكار نظيفة وسمات إنسانية راقية بعيدة عن كل أنواع التطرف ما بين الثنائيات المتناقضة .
وقد ذكر مفهوم الوسطية في القرآن الكريم حين قال تعالى ( وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا ) وجاء معنى الوسطية بمعنى الاعتدال والعدالة للوصول لما هو أفضل ، بمعنى ان لا افراط ولا تفريط بل الاعتدال ما بينهما إي إتباع الوسطية ما بين طرفي الثنائية المتناقضة ، فالأمم وسطية في اعتقادها ما بين المجرد والمدرك ، وما بين الثابت والمتغير .
يعد سيجموند فرويد عملاق علم النفس والفلسفة وهو من اهم علماء علم النفس والمفكرين في التأريخ الذين غيروا العالم بأفكارهم ومعتقداتهم . فهو من وضع حجر الأساس في بناء النظريات التحليل النفسي . وما استوقفني في نظريتهُ للتحليل النفسي فرضية تقسيم الشخصية الانسانية لثلاثة أنظمة هي الهو ،والأنا ،والأنا الأعلى ، وان شخصية الفرد ما هي الا محصلة التفاعل بين هذه الأنظمة الثلاثة حيث حصر فرويد الغرائز البدائية في (الهو )بينما (الأنا العليا) تتجه للكمال وتنفصل عن الواقع بمثاليتها وما بين نقيضي الهو والأنا العليا كانت منظومة (الأنا) وهي خليط ما بين المنظومتين السابقتين المتفاعل في الحياة بواقعية ، وهذا فعلاً هو حقيقة النفس الانسانية فما بين الفضيلة والرذيلة هناك واقع الانسان و هو المتحكم الرئيسي به ، بغض النظر عن تجاهل فرويد في نظريته للظروف الاجتماعية للفرد ، وتركيزه على العوامل الجنسية البحتة ، لكنه يعتبر رائداً للتحليل النفسي وصاحب الفضل في تطور علم النفس والعلاج النفسي القائم ليومنا هذا ، وبالرغم من تحفظاتي الشخصية على بعض أفكاره هذا فضلاً عن الانتقادات التي وجهت له حول أفكاره التي اثارت الجدل وخصوصاً من قبل علماء ومفكري الدين ، إلّا أنّه أحد أكثر العلماء تأثيرًا في مجالَيْ علم النفس والطب النفسي هذا بدليل نظرياته التي تدرس الى اليوم في الجامعات .
فلا وجود للمطلق ابداً وانا ممن لا يؤمنون بالاشياء المطلقة والمستحيلة ، حتى الموت من وجة نظري ليس مطلق لان هناك حياة اخرى بعده ، وان الجسد فقط هو ما يفنى حيث ان الروح لا تموت وكذلك الانغماس بالشهوات ليس مطلق لانه من الممكن كبحها بالإدراك حيث انها مجرد رغبات تدخل في إطار الوعي في العقل الإنساني ، لذا كان من الضروري الإشارة الى معنى الثلاثية التي يجب التركيز عليها فلا وجود للكمال المطلق ولا وجود للنقصان المطلق ، بل هناك حيّز كبير وواسع ما بين هذين المتضادين ، وهذا ما أطلَقتُ عليه نهر الحياة ، فلنتعلم كيف ننجو بأنفسنا ولنتعلم ترويضها لنحيا بسلام وطمأنينة ونترك التطرف والانحياز لفكر او معتقد او حزب معين ولنفتح نوافذ العقول ليدخل لها نور الفكر الحر النظيف المتسم بالرقي والعقلانية ، فأغلب عيون المياه العذبة تتفجر وتخرج من الحجارة القاسية . نحن اذن من نتحكم في مرونة الفكر او تعنتهُ لاننا احرار ، لذلك رأيتُ ان الحياة قائمة على ثلاثية الأجيال التي تتفرع من دواخلنا واهم جزء فيها يقع ما بين طرفي النقيضين ، فهو اهم عنصر للبقاء وديمومة الحياة بل هو إكسير الحياة .