الشباب والأنظمة المتعاقبة

الشباب في كل المجتمعات هم الركيزة الأساسية والعمود الفقري لأوطانهم ورافد مهم لتطور الشعوب وبنائها والعنصر الرئيسي بكل تغيير يحصل تكنولوجيا عمرانيا اقتصاديا بكل الأصعدة إذا ما توفرت لهم الأرضية الصالحة والجو المناسب وترى الحكومات المحترمة والتي تصبوا الى بناء أوطانها يكون هدفهم الأول هو الشباب وكيف توظف هذه الطاقة بالطريق الصحيح لكي يكونوا منتجين وفاعلين في بناء بلدانهم والدول النامية والمتطورة خير دليل على هذا الشيء باستقطاب هذه الشريحة والارتقاء بها بما يخدم الشاب والمجتمع.

ولذلك نرى هذه الإنجازات في البلدان التي تعمل على الشباب وكفاءتهم وطورت ونمت قدراتهم بكل المجالات أما في العراق فالأمر مختلف فهنا هذه الشريحة الضحية الأولى للأنظمة الجائرة والسياسات الخاطئة فالماضي القريب خير شاهد على مأساة الشباب ففي حقبة الثمانينيات حصدت الحرب أرواح  الآلاف منهم وحطمت أمال ومستقبل الكثير بالحرب الطويلة مع إيران وعسكرة المجتمع وكبلت وحجمت تطلعاتهم وأحلامهم مما تسبب بتوقف نمو وتطوير البلد.

وكلف اقتصاد العراق أموال طائلة وزهق أرواح آلاف البشر وكسر طموح الشاب العراقي نحو مستقبل جيد فكانت خيبة الأمل والحيرة هي العنوان السائد لدى كل الشباب آنذاك وهذا ما أراده النظام السابق حتى يكون الشاب لا حول ولا قوة وأداة  طيعة بيده  يحركها بما يشتهي وما يريد.

وبعد هذه السنين العجاف أتت سنوات الاضطهاد والظلم والحصار في حقبة التسعينيات وهنا تضاعفت المأساة حينما حرك نظام صدام الجيش باتجاه دولة الكويت واحتلالها وردت الفعل المعاكسة من قبل الولايات المتحدة الأمريكية ومن تحالف معها والخسائر التي ترتبت على العراق وكسر الجيش والعقوبات والحصار الذي أنهك البلد ولا ننسى الانتفاضة الشعبانية وما جرى من مجازر على يد النظام البعثي من مقابر جماعية وإعدامات واعتقالات عشوائية والتهجير الجماعية خارج البلد.

فكان للشباب العراقي النصيب الأوفر من هذه المعاناة المتلاحقة والتدهور المادي والمعنوي وخنق حرياتهم والرقابة الصارمة على كل فعل مما قيد الحريات وكسر الإرادة والعزيمة لشاب فكانت النتيجة كبت الإرادة وانتشار البطالة وتدهور التعليم وكثرة الأمية والتراجع بكل شيء هذا ما يخص المواطن وبالأخص الشباب، إما النظام والمقربين منه فكانوا بعالم أخر عالم يعج بالترف والرفاهية وبناء القصور والمنتجعات وكل ما يحلوا له ولحاشيته ليأتي بعد هذه المعاناة المريرة والحروب القاسية التغيير من قبل أمريكا وتحالفها وإسقاط النظام السابق فاستبشرت الناس خيرا بهذا التغيير والحرية التي حصلت والخلاص من النظام الظالم وأجهزته القمعية التي أذاقت العراقيين أبشع الجرائم والاضطهاد رغم الاحتلال وما خلفه من معاناة وانتهاك سيادة البلد.

فكان أمل العراقيين والشباب خصوصا الذين هم محور موضوعنا أن يكون البلد أفضل مما كان عليه والخلاص من كل المعاناة السابقة لكن، للأسف كانت الصدمة كبيرة بضياع ملامح الدولة وحل محلها الفوضى والانفلات الأمني والنهب والسلب وسرقة ممتلكات الدولة من معامل ومصانع وكل منشآت البلد وتخريب وتهديم البنى التحتية وتصفية العقول العلمية من أساتذة جامعيين وعلماء وكفاءات وتهجير العدد الأكبر منهم وظهور الطائفية التي حرقت الأخضر واليابس، وأصبح القتل على الهوية إضافة للإرهاب الأعمى متمثل بالقاعدة والجماعات المسلحة التي لا تفرق بين صغير وكبير ودين ومذهب.

فكان الجميع تحت مرماه وان أدعو بتمثيل طائفة معينة ومع كل هذه المآسي مأساة الأحزاب والمحاصصة المقيتة التي أنهكت البلد وبددت ثرواته وكانوا سبب رئيسي بتدخل الكثير من الدول بالشأن العراقي وتغليب مصالحهم ومصالح من يساندهم على مصالح الوطن وهذا الوضع أثر سلبا على البلد بجميع الاتجاهات اقتصاديا وامنيا وكل المفاصل الأخرى.

وبعد كل هذا الذي حصل هو احتلال داعش للمحافظات الغربية وكان هذا أمر طبيعي بسبب الأرضية المناسبة والفساد والتحريض الطائفي وكل ما ذكرناه سابقا كان مقدمة لدخول داعش للمحافظات الأربعة فكانت حصيلة هذا الاحتلال هو قتل وتهجير الآلاف الناس وما حصل من مجازر وأبرزها مجزرة سبايكر هذه المجزرة المؤلمة التي حصدت أكثر من 1700 شاب بعمر الورود وانهيار المنظومة الأمنية بهذه المحافظات وتدمير البنى التحتية وتكليف الدولة أموال باهظة من معدات عسكرية التي استولى عليها داعش والأموال الخاصة والعامة وتكاليف الحرب والأهم من كل هذه الخسائر خسارة شبابنا الذين ذهبوا وقود هذه الحرب والحروب السابقة ولازلنا نخسر المزيد من الأرواح والأموال وكل هذا ينعكس على مستقبل شبابنا وطمر طموحهم وتطلعهم وقتل طاقاتهم ولا نرى في الأفق القريب ملامح تنتشل حال البلد من كل هذه الفوضى والتخبط وإعطاء الدور الريادي للشباب لأنهم عنوان العطاء والمستقبل الواعد إذا ما توفرت لهم السبل المناسبة هي أمنيات عسى أن تكون في قادم الأيام حقيقة، وإذا ما أراد القائمون على أمر البلد أن يغيروا هذا الوضع المتردي والإجحاف المتجذر لعقود من الحيف على الشباب عليهم الكثير من الجهد والعمل الجدي وأهم ما يمكن عمله.

1 – العمل على التعليم بجميع المراحل حتى يكون لدينا جيل متعلم قادر على مواكبة العالم وما وصل إليه وهذا لا يأتي إلا بمنظومة تعليمية رصينة .

2 – تنشيط المواهب الفردية وتمكينها والاهتمام بها .

3 – إيجاد فرص عمل للشباب وخصوصا الخريجين منهم، إما بالقطاع الحكومي او القطاع الخاص من فتح المعامل والشركات والاستثمار .

4 – تفعيل الجانب الرياضي من بناء ملاعب وأندية رياضية لكي يكون متنفس لهم وصقل مواهبهم الرياضية .

5 – الاهتمام بالجانب الثقافي  من بناء دور السينما والمسارح وعمل مهرجانات مستمرة في جميع مفاصل الثقافة من شعر ومسرح وسينما وكل ما يخص الأدب لكي يكون لدينا طاقات ثقافية شابة .

6 – إعطاء الأولوية للشباب في الجانب السياسي والجانب الحكومي ومن مواقع وظيفية وخدمية مالهم من طاقة إيجابية بتحريك هذا الجمود الحاصل في البلد .

7 – إبعاد الشباب عن الصراعات والحروب والطائفي لما لها من تأثير على عطائهم ومستقبلهم والكثير من الأمور التي ترتقي بالشباب حتى يكونوا فاعلين في مجتمعهم ليعوضوا ما مضى من حروب ويلات وكل ما حصل لهذا البلد من سوء.

 

Comments (0)
Add Comment