قراءة نقدية في رد الشيخ اليعقوبي على عالم سبيط النيلي
لعل كل ما تحدثت به سابقا عن موضوع النقد لايتجاوز إطاره التنظيري ولكي تكتمل الصورة لدى القاريء الكريم في ممارسة التجربة النقدية على أكمل وجه ننتقل به إلى البعد التطبيقي في ممارسة هذه التجربة .
وقد وقع بين يدي قبل أكثر من عشر سنوات كتيبًا صغيرًا لجناب الشيخ محمد اليعقوبي بعنوان ( اللغة الموحدة في الميزان ) تضمن ردًا على عالم سبيط النيلي لنظريته الموسومة ( اللغة الموحدة ) أو ( النظرية القصدية ) في سبعٍ وعشرين نقطة ، وقد اطلعت مؤخًرا على تقييم نقدي لهذا الرد من قبل الكاتب مختار الأسدي في مؤلَفه ( المنهجية النقدية بين التطرف و الاعتدال ، النيلي ومناوئوه نموذجًا ) وبعد قرائتي المتواضعة له كان لي معه وقفة تحليلية في نقاطٍ عدة :
أولا / إن النقد المثالي هو ذلك النقد المستند إلى الأدلة العلمية وفي ضوء منهجية واضحةٍ محددة تحمل صاحبها على حالة الاتزان العقلي في نقد أفكار الآخرين دون التعرض لشخوصهم فيبقى في دائرة الموضوعية ، ويضعنا المؤلف أمام هذه الصورة النموذجية عن هذا النقد فيقول (( قرأتُ رد سماحة الشيخ اليعقوبي المختصر على رد النيلي و بالأحرى على كتابه ( اللغة الموحدة ) فوجدته ردًا علميًا هادئَا ، ويمكن وضعه في إطار المنهجية النقدية النموذجية التي نفضل الترويج لها و وضعها في دائرة النقد الموضوعي المعتدل .
ثانيا/ ذكرنا سابقًا إن منهجية النقد السليم البناء تستدعي الناقد أن يبدأ نقده بذكر الحسنات قبل استعراض المثالب ؛ إذ إن هذا السلوك النقدي من شأنه أن يمد جسور التواصل الفكري و لايُوصد الأبواب باتجاه الحوار الهادف و لايؤسس للفكر الانغلاقي ، ومن ذلك قوله (( أؤكد أنا نحترم الرجل – أي الشيخ اليعقوبي – على هدوئه و اعتداله ، ونتعاطف معه في إشادته بقوة تفكير النيلي و عمقه – حسب تعبيره – ونؤيده في رفضه لإعجاب الأخير – أي النيلي – بنفسه واستخفافه بالآخرين و الذي أسميناه ( النرجسية الزائدة ) )) .فالشيخ اليعقوبي كان هادئًا في رده و معتدلاً في نقده و لم يحمله تقاطعه الفكري على التباعد عن الوضوعية و الاتزان في النقد بأن يتحامل على الرجل أو أن يغمطه حقه في ذكر محاسنه ، الأمر الذي قيّض الإشادة بهذا الموقف ولو بعد عقدٍ من الزمن ، ومن تلك الأمور الجميلة التي حملت المؤلف أن يحترم الشيخ اليعقوبي في نقده هو أنه لم يبخس النيلي حين (( اتهمه بقلة الورع رغم اعترافه بتدينه ، وهو شيءٌ جميل من ناقد متدين لايبخس الناس أشياءهم ولكن معظم الناس لا يفرقون بين التدين و الورع مع الأسف ))
ثالثًا / سجل المؤلف مختار الأسدي على نقد الشيخ اليعقوبي (( أن سماحة الشيخ – وعلى طريقة الفقهاء في التعامل مع المفردات الفقهية – لم يدرك عجز الناس في التمييز بين كلمتي ( التدين ) و ( الورع ) )) ولعلي هنا أجد للمؤلف العذر في مقولته هذه أنه لم يطلع على ما كتبه الشيخ اليعقوبي في هذا الموضوع الذي عكس عمق إدراكه لهذه الظاهرة ويكشف عن بالغ اهتمامه بها ، مبينًا سلبياتها و تداعياتها على الدين ، لكن هذه القراءة التجزيئية لعض النصوص ابتلي فيها أغلب النقاد للأسف .
يقول الشيخ اليعقوبي عن ذلك (( أود الإشارة إلى مصطلح مبتدع تحول إلى ظاهرة لا تنسجم مع هذا الفهم لحقيقة الدين حيث أسيء استخدامه و هو عنوان ( المتدين ) و جعلوه مرادفًا لعنوان ( المؤمن ) و هو غير صحيح ؛ لأن عنوان المؤمن مصطلح قرآني تكرر كثيرًا يعبر عن سلوك صالح و عقيدة صحيحة و أخلاقٍ سامية .
أما عنوان ( المتدين ) فإنهم جعلوه يركز على شكليات و مظاهر كإطلاق اللحية و مسك المسبحة و لبس الخاتم باليمين وأداء بعض الطقوس ، وهذا كله من الشريعة بالتأكيد ، لكن أن يكون هو المقياس بغض النظر عن الجوهر و سلامة الباطن و الاستقامة في التعامل مع الآخرين فهذا تدين مزيف روَّج له من يريد خداع السذج لتحقيق أجندات خاصة به و المتاجرة بالدين للوصول إلى مآربه و الحصول على المواقع الدينية و السياسية ، حتى تحمل الدين إساءاتٍ كثيرة بسبب تصرفات بعض المتدينين )) (1 ) فالشيخ اليعقوبي كان مدركا لهذه الظاهرة وقد وضع النقاط فوق الحروف في علاجها .
رابعًا / من الأمور التي لفتت انتباهي أن المؤلف لم يجعل تقييمه النقدي محصورًا في هذا الإطار فحسب ، وإنما عرض جانبًا منه في إطار النصيحة النقدية ، وهذه هي المسؤولية التي ينبغي أن يضطلع بها المثقف اليوم فينتقل من النقد إلى الإصلاح ومن التقييم إلى التقويم وإعطاء البديل المناسب ، وتتضح هذه النصيحة النقدية لدى المؤلف حينما وضع يده على رد مريدي عالم سبيط تجاوزوا فيه حدود الأدب وتحولوا بنقدهم من الإطار الموضوعي إلى الإطار الشخصي الضيق في مقولتهم (( إن هذا الطرح – يعنون رد الشيخ اليعقوبي على النيلي – الذي يتكرر في أدبياتكم هو الدليل الأكبر على إفلاسكم يا منظري الإسلام ، فالأروقة …..و ألصح أنها لاتتجاوز أطراف أنوفكم )) هنا صار النقد نقدًا شخصيًا إنفعاليًا بعيدًا عن الموضوعية ، و هي من الخطورة بمكان لأنها تؤدي إلى كسر القلوب التي لايندمل جرحها ، ولله در المؤلف الأسدي في تعليقه على هذا الرد الانفعالي حين قال (( مثل هذه العبارات الانفعالية هي التي نتمنى على مثقفينا و علمائنا تجاوزها و العودة إلى النصوص الهادئة التي لاتترك خدوشًا في المشاعر حتى لو لم ننل الشيء المطلوب ، نعم ، إذا تكسرت المشاعر تكسرت القلوب و :
إن القلوب إذا تكسّر ودها …… مثل الزجاجة كسرها لا يُجبرُ .
أما إذا انكسرت العقول فبالإمكان ترميمها وأن اللهتعالى لا ينظر إلى العقول بقدر ما ينظر إلى القلوب )) ( 2 ) .
الهوامش :
1-المعجم الموضوعي لكلكات الشيخ محمد اليعقوبي .
2-كل النصوص تم اقتباسها من كتاب لمنهجية النقدية بين التطرف و الاعتدال ، النيلي ومناوئوه نموذجًا / مختار الأسدي : من 202 – 204 .