في خضم حيرة الفتاة العربية العصرية، والعاصفة تلوكها والزلزال يتقاذفها، يأتي صوت يمعن في ترويعها من الرجل بدلاً من توعيتها على جذور ذلك الاضطراب كله في حياته وحياتها… صوت امرأة يدّعي تحريرها، ويوهمها بأن الرجل العربي هو اصل بلاءها…وتتغزز مخاوفها، وتتكرس عزلتها عن الصديق الوحيد الممكن، والقادر على ان يمد اليها يد المساعدة…فمن يحرر المرأة العربية من المرأة التي تدمرها تحت ستار توعيتها، وتفسد حياتها – ربما بحسن نية – بحجة انقاذها من الرجل “العدو”، المسيطر، الاناني، القاسي، المتسلط… الى آخر المعزوفة؟ ثمة خلل – بالتأكيد – تعاني منه المرأة العربية الطامحة الى انتزاع حقوقها العادلة للمشاركة في الحياة العامة وخدمة الوطن.لكنني لم استطع يوماً حمل نفسي على الوقوف ضد الرجل – بوجه عام – واعتباره البلاء الاوحد، لا من باب “حسن الاخلاق”، بل بفضل الوعي الفني بحقيقة الاشياء. وككاتبة قصة، ارى بوضوح اننا نؤذي المرأة والادب معاً حين نرسم صورة ساذجة عن حقيقة الوضع الانساني، ونوهم المرأة بأن الدنيا منقسمة الى اسود وابيض فقط، وان الرجل هو الشرير المجرم والمرأة هي الضحية البريئة… والخطر ان نفعل ذلك بحجة تحرير المرأة، بحيث تتسلل تلك النظرة الساذجة للأمور الى لاوعيها، ويترسخ حقدها على الرجل حين تتوهمه المسؤول الاوحد عن مصائبها. لانني أؤمن بعمق أن قضية المرأة جزء من قضايا مظلومي المجتمع جميعاً رجالاً ونساء، لم انجرف يوماً الى الشوفينية في نظرتي للتحرر. وكنت موقنة من أن مأساة المرأة العربية هي من بعض مأساة وطننا العربي مع التخلف، وان خصم المرأة والرجل هو ذلك التخلف الجاثم على الصدور.ربما لذلك، فرحي كبير بالكلمات الواعية التي يكتبها الرجل العربي تضامناً مع تحرير اخته المرأة… كالأخ محمد الصديقي، الذي كتب في مجلة اليقظة الكويتية كلمات صدق واعية دافع فيها عن “المرأة المطلقة”، وعن حقها في الحياة واحترام المجتمع لها مطالباً باعادة النظر في الموقف العام العدواني منها. وكانت صرخته قادمة من اعماق القلب العربي الذي ورث عدالة الاسلاف وحكمتهم، وشمل بذلك كله نظرته الى المرأة في لمسة عصرية، لا تخلّ بجوهر تراثنا، لكنها تساهم في تمزيق بعض تقاليده البالية في لحظة نقاء. “هل يجرؤ شاب اعزب اذا تزوج من مطلقة ان يقيم لها حفلة زفاف… ويعلن هذا الزواج في الصحف؟”. “هل يستطيع المجتمع ان يتقبّل هذا الوضع بسهولة ويعترف ان المطلقة انسانة جد عادية وليست – بالضرورة- خطرة كما يتوّهم؟”…هذا كلام عاقل مشحون بالوعي، واجمل ما فيه انه فعال لانه آت من اعماق رجل… ها هو “الجلاد” كما تصوره بعض الصرخات النسائية غير العاقلة، يقف الى جانب الحق والعدل، ويتخلى عن مكاسبه الموروثة من اجل صدقه واخلاصه لذاته… الحليف الحقيقي للمرأة هو الوعي، سواء وجد لدى المرأة نفسها ام الرجل.واللواتي تصورن تحرير المرأة معركة “مصيرية” ضد الرجل، يخسرن الرجل ولا يكسبن المرأة لانهن يزوّرن الواقع.والواقع المرير يقول ان المرأة العربية تلعب ايضاً دور “الجلاد” الصغير…أليس اول صوت يرتفع ضد الزواج من مطلقة مثلاً، هو صوت امرأة (والدة العريس!)؟أن المرأة العربية بحاجة الى توعية كالرجل تماماً، فهي مثله تقع احياناً فريسة مفاهيم تقليدية بالية متوارثة، ولا تجد في نفسها الجرأة لرفضها، ولا تريد ان تكون اول من يرفضها، فالمطلوب دوماً من ابن “المرأة الاخرى” ان يتحدى المجتمع لا ابنها!…لا مانع لديها في ان تربط ابنها علاقة “غامضة” مع بنت الجيران، ومحرّم ذلك طبعاً على ابنتها!!… كيف؟ اليست لبنت الجريان “أم” أيضاً؟… الا تلعب المرأة دود الجلادة والضحية في آن معاً… اليست هي ايضاً واحدة من “كهنة التقاليد” المكرّسة لاذلالها وبنات جنسها؟؟ حلف المرأة والرجل في وجه القمع والتخلف يبقى، ويبدّل وجه مجتمعنا. الصرخات النسائية الموتورة ضد الرجل تنقل القضية الى مرحلة التحدي الاعمى. التوعية النسائية الهادئة وحدها تنقل تحرير المرأة خارج نطاق منطقة الاستفزاز. فهل تصدقني اختي العربية اذا اكدت لها ان الرجل حليفها الاول والفعال، وانها بحاجة الى تحريرها من بعض “نجمات” تحرير المرأة اللواتي يوهمنها بأن الرجل عدوها الاوحد؟