كلما سمعت هذه الاصوات الغريبة اشعر بالتقزز والاسف على حال البلد في هذه الظروف التي لا تختلف عن ظروف التسعينيات التي قاد مثل هذه الحملة النظام المستبد آنذاك والتي شبّه فيها اهل البلد وشبابه واهل الكفاءة العلمية في الخارج بالكلاب السائبة!! للحطّ من هذه القدرات وزرع الكراهية ضدّهم من قبل اهلنا داخل البلد. حملة غريبة لا تعرف من يقودها بالاساس الا انها اصبحت ظاهرة لتفريغ احقاد بعيدة، على من هرب بجلده من بطش النظام (على الاقل بعض هذه الطاقات التي رفضت خدمة النظام في حلقات كانت خطيرة الى الدرجة التي ادت الى تكالب كل العالم ضدّ العراق من وراء هذه الخطط الصدامية التي قادها حفنة من حملة الارهاب الفكري والعلمي والامني!) أوهرب لوضع اقتصادي مزر قد مرّ به البلد، وقد ساهم الكثير ممّن في الخارج في دفع الملايين من المال الى الداخل للاهل والاقرباء والاحبة والفقراء والمساكين والمعوزين وغير ذلك. لا نقول مثالا لئلا يتهمنا البعض بما اتهم به الكثيرون!
هذه الحملة ضد شبابنا وطاقاتنا المهمة تقودها مجموعتان الاولى جاهلة لا تفهم معنى هذا الفعل وهي لا تدري انها تدفع بهذه الطاقات الى البقاء في الخارج في الوقت الذي يحتاج البلد في هذا الظرف الى الكثير منها، ونموذج لهذا انظر الى حال المدارس والجامعات التي استهلكت نفسها وباتت تعيش على مصادر ومعلومات تعود الى ثمانينيات القرن الماضي، اساليب ابحاث تعود الى اساليب كانت قد استخدمت قبل ثلاثة عقود في العالم المتقدم!! ومنهجية متخلفة تقودها حفنة من الاكاديميين الفاشلين الذي لا يرغبون بعودة الطاقات العلمية الى الوطن والسبب معروف (وقد ذكرتها في مقال سابق تحت عنوان: مافيات عدم العودة) . ومجموعة تعرف كلّ المعرفة ان فعلها هذا سيؤدي الى الابقاء على هذه الطاقات بعيدة عن البلد لتبقى هي تسرح وتمرح وكأنّ البلد بلد (الخلفوهم!!!) وهذه المجموعة هي من مجاميع من السياسيين والنشاله والحرامية ومن هم اهل العُقد القديمة والتي تسعى بكلّ قوّة ان تبعد الابداع عن هذا البلد المظلوم الذي لم يرَ راحة منذ أكثر من ثلاثة عقود! وأحد الاسباب ما قام به الكثير من هذه المجموعة بتقوية النظام المستبد واستمراره والتي كان ويكون كلّ همّها تدمير البلد لمصالها وبأنانيّتها والتي لن تقوم للبلد قائمة مع هذه الأشكال المنحطّة بكلّ جوانب الإنحطاط. وهذه الفئة تقابلها في أغلب دوائر الدولة!! فهم من المرتشين والحرامية والفاسدين إداريّاً وماليّاً، وهي هي نفسها التي تقف الآن ضدّ أيّ إصلاح وتقويم في مسيرة البلد، بل وترى أشكالها الكالحة على شاشات الفضائيات كلّ يوم!!! حيث تمّت برمجة الكراهية حتى على برامج الفضائيات، حيث باتت مجاميعها معروفة بنشر الفرقة بين ابناء البلد في الداخل والخارج.
الغريب عندما ترى الناس هنا، في هذه المجتمعات المتقدمة، كيف تعمل وتشتغل بلا عقد ولا شعور بالدونيّة ولا غير ذلك! حيث أنّك لا ترى مثل هذا التعامل بين فئتي الخارج والداخل (كما يحلو للبعض أن يطلق على أبناء البلد الواحد!) حيث الكثير منهم يهاجر ويعود لأسباب غير تلك الاسباب التي جعلتنا نهاجر نحن والكثير منّا، فهم مع بعضهم البعض يداً واحدة لبناء بلدانهم. عجينة واحدة باسلوبين لدفع عجلة التقدم الى الامام. فالمعروف منذ عقود وعقود ان العلم لا يأتي من مكان واحد، والدليل على هذا القول: هذه الرحلات الاستكشافية التي تغذي ذاكرة الاجيال من تقدم الى تقدم. فالرحلات مصدر مهم من مصادر الاستفادة من المعلومة الصحيحة، فالمفروض ان تستغل هذه الاوضاع الحالية لتلقيح الافكار بين تجارب الداخل وتجارب الخارج للدفع بالبلد الى الامام.
ما الغاية من هذا الشرخ بين الداخل والخارج؟ من المستفيد؟ اذا حللنا ببساطة عن اؤلئك المتشبثين بقول انهم كانوا يعانون من ويلات الظروف الصعبة في الداخل، ترى العجب!! أمن المفروض ان اتقدم معكم كي اعاني وانا الذي هربت من ظروف كان يجبر بها النظام شباب البلد على الالتحاق بسراياه في التدمير الممنهج ويقود هذه المجاميع من الشباب المسكينة الى محارقه التي نتجت عن مئات الالاف من الضحايا والمعوقين والمشردين! كيف تريدني ان اكون ضمن هذا الفصيل قسراَ، اهذه شريعة الاهية تريد ان تقودني بها واليها؟! هذا قول الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (97) إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99) ۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (100).من سورة النساء. ألم يسنّ ربّنا الهجرة حين إنتشار الظلم بين الناس وحينما يكون المرء ولأسباب عديدة يهاجر ويترك هذا الظلم حيث ليست لديه القدرة على التغيير وليست لديه القدرة في مقارعة ظالم، وأيّ ظالم مرّ منذ عقود مثل صدّام الطاغية!! علما انّ الكثير ممّن يحكم الآن هم من هذه الفئة فما الذي إختلف مع الآخرين؟! أيّ الأمرين أفضل أن تقف مع الظالم كما عمل الملايين من أبناء البلد بحجّة أو أخرى! إلى الوقوف مع النظام وليس بيدهم حيلة كما يقولون! فلم تقارع فأيّ الأمرين أفضل هذا أم ما ذكره قول الحقّ تعالى!؟ أن تنزلق مع من يؤيد الظالم في ظلمه، خير لك أم أن تهاجر ولا تنزلق الى مهاوي رذيلة الظالم!!
أوليس هذا كلام المولى الكريم!
تسمع الاحقاد باذنيك وتراها بعينيك في الدوائر التي تراجعها وفي الوزارات وفي الشارع ولا يعرف قائلها ما الغرض؟! ما الغرض من نشر هذه الفجوة بين ابناء الوطن الواحد؟ واي فئة؟! تلك التي عاشت بتجارب متعددة وفق مناهج مختلفة علما وممارسة وذوقا وملبسا وقراءة وزادا وشرابا ومنطقا وادراكا وفهما وصحبة وتجارب متعددة في كل جوانب الحياة فلم يريد هؤلاء ان يزرعوا الحقد مع فئة لها من التجارب الشيء الكثير تريد ان توحّده مع رؤية الداخل خاصة وان هذا هو الطريق الطبيعي للشعوب. فنظرة الى تجارب المهاجرين المصريين والترك والايرانيين والهنود والباكستانيين وغيرهم ولا اقول الاوربيين لان قدراتهم معروفة باي نتائج عادوا الى بلدانهم. تعال وانظر الى هذه المجتمعات التي تستفيد من اي فكرة وخبرة ومفهوم وابسط تصور لاغناء تجارب البلد!
ومازال السؤال مطروحا: لم هذا التصور الخاطيء ومن المسؤول عن نشر هذه الاحقاد والكراهية في مجتمعنا؟ ان قيل بسبب اللصوص القادمين! فنظرة بسيطة تريك اللصوص من فئات الداخل والخارج (لعنة الله عليهم من اي فئة كانوا ومن اي طائفة ودين ونحلة!) من الذي نشر الفرهود والسرقات في المجتمع، الذي كان يضرب به المثل في الامانة والطهارة والصدق والوفاء والغيرة! كيف اصبح الان؟! انظر نظرة بسيطة ليأتيك الجواب واضحا جلياَ!!
ودمتم على صدق في القول والفعل!
د.مؤيد الحسيني العابد