حَرْبان؟ أَمْ حَرْبٌ واحِدَةٌ؟!

لقد أجابت المرجعية الدّينية العليا اليوم، في معرض حديثها لوكالة الأنباء الفرنسيّة، وبضرسٍ قاطع، على المخاوف التي يُثيرها التّساؤل الذي ظلّ يردّدهُ سياسيّون فاسدون ويشيعونهُ في الشارع وعبر وسائل التّواصل الاجتماعي، خاصة (عَبَدَةُ الْعِجْلِ) منذ ان انطلقَ العراقيون بتظاهراتهم التي تبنّوا فيها مشروع الحرب على الفساد؛
التساؤل الذي أُريدَ منه ارهاب الناس وإرعاب الشارع يقول؛ وهل من الحكمة ان نتظاهر اليوم ضِدّ الفساد، فيما تتعرّض البلاد الى تهديدٍ خطيرٍ من قبل الارهاب؟ دعونا ننتهي من حربِنا على الارهاب لنبدأ حربنا الثانية، والتي هي ضِدّ الفساد؟ الا ترَونَ انّ التّظاهر، بحجّة الدعوة لمحاربة الفساد، يضعف الموقف العسكري على طول جبهات الحرب المسلحة على الارهاب؟ الا تخافونَ انْ يستغلّ الارهابيون انشغالَنا بِالحَرْبِ على الفَسادِ ليتمدّدوا اكثر فاكثر؟ الا تخشَوْن انَّ يصيدكم المتصيّدون بالماء العكر!.
لقد أجابت المرجعية العليا اليوم وبالفم المليان وبلا تردد، على هذه الأسئلة الساذجة وربما المشبوهة عندما اشارت الى انّ الفساد المالي والاداري هو الذي أنتج لنا الارهاب الذي تمدّد ليحتلّ نصف العراق، فلولا الفساد، خاصّةً في المؤسسة الأمنية والعسكرية على مدى السنين الثمان الماضية، لما تمكّن الارهابيون من السيطرة على شبر واحدٍ من ارض العراق الطاهرة.
فكيفَ نريدُ ان ننتصرَ في الحربِ على الارهاب قبل ان ننتصِر في الحرب على المصدر والمنبع والممول الحقيقي له، واقصد بِه الفساد؟!.
لقد وجه الخطاب، بتصوري، إصبع الاتهام بشكل مباشر للقائد العام السّابق للقوات المسلحة، وحمّلهُ المسؤولية الاكبر في تدهور الوضع الأمني والعسكري الذي يعيشه العراق اليوم.
وبذلك يمكن القول بأنّ الحرب على الفساد والحرب على الارهاب هما حربان بحربٍ واحِدَةٍ لا يمكن الفصل بينهما فالارتباط بينهما ارتباطٌ عضويٌّ، فهما حربٌ واحدةٌ بعنوانين وجبهتين، لا يفصلهما حدٌّ ابداً، لان الفساد والارهاب وجهان لعملةٍ واحِدَةٍ، ولقد كتبتُ مرّةً قائلاً؛ انّ الفاسد ارهابي بعنوانٍ آخر، فاذا كان هدف الارهابي هو إشاعة الخوف والرعب في المجتمع لتدميرهِ، كذلك فانّ الفاسد يشيعُ الخوفَ والرّعب في المجتمع لتدميرهِ، بَلْ انّهُ يمارس الارهاب مرّتين، مرة بالفساد ذاته واُخرى بالتمهيد للارهاب.
ان ّالفساد المالي والاداري هو المموّل الرئيس للارهاب، والاخير يتغذّى عليه، ولذلك فهو أخطر مِنْهُ.
فعندما يَعْرِض نجل القائد العام المناصب الأمنية والعسكرية للبيع والشّراء، فمِن الطّبيعي ان تمتلئ المنظومة الأمنيّة والعسكرية بالفاشلين وغير المهنيّين الذين يدفعون لتسنّم مواقعهم فيها.
وعندما تُتخم المؤسّسة الأمنيّة والعسكريّة بالجنود والضباط الفضائييّن، وبمعرفةٍ وعلمٍ تامٍّ من قبل وزير الدفاع وكالة ووزير الداخلية وكالة، وهو نفسه القائد العام، فمن الطّبيعي ان تَفسد هذه المؤسسة المسؤولة بشكل مباشر عن أمنِ البلد والشعب.
وعندما يُدير مكتب القائد العام، وبعمولاتٍ مدفوعةٍ سلفاً، كلّ صفقات السّلاح الفاسد، والتي كلفت ميزانية الدولة اكثر من (١٥٠) مليار دولار، فانّ من الطبيعي ان تضعُف جاهزية المنظومة العسكرية فتنهزم امام اوّل تحدي امني وعسكري كما حصل في الموصل.
وعندما يُعشعش الفساد المالي والاداري في مكتب القائد العام، المتضخّم بأعداد المنتسبين العاطلين عن العمل، فانّ من الطبيعي ان تُصابَ المنظومة العسكريّة بعطلٍ فني مزمن!.
انّ كلّ هذا، وغيرهُ الكثير جداً من الفساد المالي والاداري في المؤسّسة الأمنية والعسكرية، شكّل السّبب المباشر والعامل الاول في تمدّد (فقاعة) الارهابيين لتحتلَّ نصف العراق في عهد الموما اليه.
ولذلك فليسَ بطراً ابداً ان يُطلق الشّارع العراقي مشروع الحرب على الفساد، لانّ هي التي تقودنا بشكلٍ سليمٍ وصحيحٍ في الحرب على الارهاب، ولذلك أيّدتها المرجعية الدينية العليا عندما دعت السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حيدر العبادي ليضربَ بيدٍ من حديدٍ على الفَسادِ والفاسدين.
انّ الحربَ على الارهابِ لا يمكن ان تحقّق شيئاً اذا لم يتم الضرب بيدٍ من حديدٍ على الفساد، فالفسادُ هو المغذي المباشر والداعم الأساسي للارهابيّين في مؤسّسات الدّولة وتحديداً في المنظومة الأمنيّة والعسكريّة.
لقد جرّب العبادي ان يبدأ الحرب على الارهاب قبل البدء بِالحَرْبِ على الفساد، فكانت النّتيجة ان خسِرنا معركةِ الرّمادي! ولم نبدأ، بعدُ، معركة الموصل!.
انّ الحربَ الحقيقيّةِ على الفساد ستنطلق لحظة مثول (عِجْلٍ سمينٍ) امام لجنة نزيهة من القضاة المتخصصين، فالعراقيون لا يقبلون من أحدٍ التّسويف في هذا الامر او تضليلهم بخطوات ثانوية او غير ذي أهميّة، كما لا يرضَون باقلّ من ان يروا فاسداً كبيراً يقف خلف القُضبان، ليكشفَ عن كلِّ ملفّات الفساد الضّخمة التي انتجت كلّ هذا الارهاب الذي يحتلّ اليوم نصف العراق، وبسببهِ أُزهِقت ارواحُ شبابٍ بعُمرِ الورودِ، ليسَ من بينهم ابداً حتى واحدٌ من ابناء المسؤولين او الذوات، شهداءَ سعداءَ {فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} ولذلك اكّد لسان حالهم اليوم، الخطاب المرجعي، على وجوبِ مكافحةِ الفساد بلا هوادة، على حدّ تعبيرهِ، ما يعني انّ الشارع، ومِن ورائهِ وبمؤازرتهِ الخطاب المرجعي، سيظلّ نَبِهاً لا ينامُ ولا يغفلُ يُراقب برنامج الاصلاحِِ الحكومي عن كثبٍ، ليتأكّد من جدّيّة السيد رئيس مجلس الوزراء الذي تشيرُ كلّ خطاباته وخطواتهِ ومواقفهِ لحدّ الان على جدّيّتهِ وثباتهِ وحزمهِ وعزمهِ في المشروع وانّهُ مصمّمٌ وبشجاعة على ان يذهبَ به الى نهاية المطاف، كما أكدّ ذلك الخطاب المرجعي اليوم عندما قَالَ بأنَّ النتيجة الوحيدة المقبولة والمُقنعة للحربِ على الفساد هو تحقيق العدالة الاجتماعية.
فهل من المعقولِ ان يتحقّق ذلك من دون ان يرى العراقيّون (عِجلاً سميناً) رابِضٌ خلفَ القضبان؟!.
برأيي، فانّ الخطاب المرجعي اليوم خربطَ الغزل على كثيرين سواء من (عَبَدَةِ الْعِجْلِ) او ممن يتستّرونَ على (عِجْلٍ سمينٍ) سواء في الداخل او خلفَ الحدودِ!.
٢٠ آب ٢٠١٥
للتواصل؛
E-mail: nhaidar@hotmail. com
Face Book: Nazar Haidar
WhatsApp & Viber& Telegram: + 1
(804) 837-3920

Comments (0)
Add Comment