الحوزة هي المدرسة العلمية الجامعة لعلوم ومعارف اهل البيت (عليهم السلام) لم تكتفي بتخرج الخطباء والعلماء والمجتهدين فقط بل تخرج ثائرين وهؤلاء الثائرين ليس كبقية الثائرين أصحاب فكر المحدودة بل ثائرين عن علم وعقيدة وايمان راسخ بالقضية التي يثأرون من اجلها وهذا هو السر الذي جعل جميع الحكام يحاربون ويضيقون على هذه المدرسة المباركة .فالحوزة الشريفة هي الصوت الأول بوجه انحراف الطغاة وهي الصوت الوحيد الذي لا يمكن اسكاته لأنه ما ان يخرج منها حتى تتلقفه الجماهير المؤمنة المتعطشة لسماع رأيها في الأوقات العصيبة لأنه الحل والمخرج من الازمات لذلك فهو يخترق جميع الحواجز حتى يصل الى أخر وابعد شخص يريد ان يسمع رأيها.
وعلى مر التاريخ خريجو هذه المدرسة الذين يصلون الى الزعامة والقيادة الدينية يكونون محط انظار العالم من المعادين والمستضعفين والمؤمنين. المعادين يهابوهم ويتخوفون منهم والمستضعفون يستشعرون الأمان بوجودهم لتصديهم ودفاعهم عن الامة والمؤمنون يرونهم الملاذ الامن لهم من الطغاة ومن شياطين الانس الذين يبثون الأفكار السامة والمخالفة للفكر الرسالي وليس المستضعفون فقط من يلجؤون اليهم عند الصعاب وتعسر الأمور بل حتى الحكام الطغاة يلجؤون اليهم عند ما يتسلط عليهم طغاة اخرين كما ينقل عن شاه ايران بخصوص السيد البر وجردي وخلاصتها هي ان الشاه بهلوي كان يبغض المرجع الكبير السيد حسين بر وجردي (قدس سره) فأ قترح عليه احد حواشيه بتسفيره الى العراق والخلاص منه فرد عليه الشاه استفاد منه اذا طلبت بريطانيا مني شيء لا ارغب بالموافقة عليه أقول لهم ان السيد لا يرضى فلا تستطيع بريطانيا الرد على السيد. ومثل هذه المواقف حصلت مع الائمة الاطهار حيث كان طغاة بني امية وبني العباس يستنجدون بهم في حال داهمهم خطر فالمرجعية الدينية هي امتداد لخط اهل البيت (عليهم السلام) . ولأنها تحتل مكانة رفيعة في قلب الامة حاول الحكام ابعادها عن الجماهير وقد مارسوا شتى الوسائل لصنع هذه الفجوة من ترغيب وترهيب بغية تصغير دورها في المجتمع وابعادها عنه ولم يفلحوا في ذلك. لأن المرجعية الحركية لا يقتصر دورها على وجود الجماهير والانصار بل هي الجندي والمقاتل والمصلح سواء كان في الميدان او كان مضيق عليه في بيته. وفي التاريخ المعاصر برز مصلحين عظيمين في العراق ولكل منهما دوره في المرحلة التي كان فيها الا وهما السيد الشهيد محمد باقر الصدر وتلميذه الشهيد اية الله العظمى السيد محمد الصدر (رحمة الله تعالى عليهما)
وشهيدنا الغالي اية الله العظمى السيد محمد الصدر (اعلى الله تعالى مقامه) عند ما رأى النظام العفلقي يضيق على العلماء والمجتهدين ويضيق على العاملين واودعهم السجون والمعتقلات ووضع الحواجز من وصول الجماهير إليهم ووصول فكرهم الى الجماهير من خلال التضيق على طبع الكتب والبيانات والمسائل التي تهم المؤمنين ورأى الساحة خلت من المصلحين والدعاة المؤمنين وانتشار من هم يعملون للنظام البعثي الظالم وخوفه على الشباب المؤمنين من الانخداع بتلك المظاهر والضياع. كسر القيود وخرج الى الناس متحديا البعث وجبروته. السيد الشهيد الصدر (رضوان الله تعالى عليه) كان رجل مرحلة خدم الشريعة وقادة الجماهير العراقية في فترة تكاد تكون من أصعب الفترات قساوة بسبب سياسة الحديد والنار التي استخدامها الديكتاتور البائد. واستطاع بفترة قياسه قصيرة من تصدية للمرجعية ان يستقطب أكبر عدد من الطلبة والمقلدين وذلك لما رأوه اهلا للقيادة والتقليد. وما جاء به السيد الشهيد في الإصلاح والاخذ بيد الأمة يفوق ما جاء به استاذه السيد الشهيد الصدر الأول حيث ان الأخير اقتصرت دعوته على الجامعين والمثقفين والتثقيف داخل المساجد والحسينيات اما شهيدنا الثاني فنزل الى الشارع وخاطب المسلم وغير المسلم والسني والشيعي والمؤمن وغير المؤمن حتى انتقلت الصلاة في عهده من المساجد الى الشوارع لكثرة اعداد المصلين مما أربك النظام آنذاك. كان شخصيته قوية لا تنهز امام العدو ولا يهتم لكثرة العدو ونوعه وقف بوجهه اميركا وإسرائيل ووقفة بوجهة النظام البعثي وطالب ببناء البقيع وطالب بأطلاق صارح الامام المغيب موسى الصدر رضوان الله تعالى عليه حتى خطط لاغتياله وابعاده عن الساحة الإسلامية لأنه كان خطر عليها ولو كان من هو أخطر منه لما ترددت في اغتياله!
السيد الشهيد غاب عنا جسدا ولم يغيب روحا وفكرا لان الطغاة ديدنهم مع المصلحين والعظماء عند ما يعجزوا عن مواجهتهم فكريا يغتالوهم جسديا وفي النهاية يمحى الطغاة ويبقى المصلحين ويبقى من كان كل ما عنده لله وفي سبيل الله لذلك الشهيد الصدر حيا موجود بيننا بفكره وتعاليمه وتلاميذه واثاره الخالدة. موجود بمدارسه الدينية في اغلب المحافظات موجود بمؤسساته التي انشأها طلبته ومحبيه وموجود بصلوات الجمع التي تقام في جميع المحافظات العراق كذلك نرى السيد الشهيد في المقاومة الإسلامية العراقية والتي اغلب قادة فصائلها هم من طلبته او من ذلك الخط الذي تعلم على يديه فسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا.
_________________
مصطفى العسكري