يحاول بعض العلمانيين جعل العلم الحديث بديلاً عن الدين في كل شيء من الرؤية الكونية والتربية النفسية والسياسة وجميع جوانب الحياة ولا سيما في النظرية الفيزيائية الكونية، ولربما نجحوا في أوربا أيام ما كانت أوربا لا تعرف حدود العلم ولم تزل فيها النقمة على تصرفات الكنيسة التي وقفت مع الطواغيت هناك.
إلا أنه لا تزاحم بين العلم والدين، ولا يمكن عن طريق العلم الحديث نفي عالم الغيب الذي هو أصل الدين وما وراء عالم الطبيعة.
فالمعرفة إذا لم تكن شيئاً غيبياً كما يؤمن المتدين، فهي شيء مخلوق بحسب قوانين هذا العالم بنظر المادي، وإذا كانت المعرفة قد نشأت مع نشأة الكون ووفق القوانين التي تشكل منها عالمنا الكوني بعد الانفجار الأعظم وفق نظرية الـ(Big Bang) التي يتبناها أغلب العلماء اليوم لتفسير نشأة الكون: فهذا يعني أنه لا يمكن معرفة ما قبل الانفجار الأعظم وهل أنه نشأ من قوة حكيمة قادرة أو غير ذلك، لأن المعرفة ستكون ناتجاً من نتائج الانفجار الأول وتتحرك في الأذهان وفقها، فالاستنتاج العقلي سيكون وفق النظريات التي يجري عليها الكون، فتكون مثل سقوط حجر من الأعلى إلى الأسفل، فلا يمكن أن تكون هناك معرفة أصلاً فضلاً عن أن تفسر لنا ما قبل الانفجار الأعظم.
يقول عالم الفيزياء الإنكليزي ستيفن هوكنج عند الحديث عن نظرية كونية شاملة تفسر كل شيء: ((على أنه إذا ما وُجدت مثل هذه النظرية الموحدة الكاملة فعلاً، فإنها سوف تقرر تحركاتنا وأفعالنا وسوف تقرر أيضاً نتيجة بحثنا عنها، ولماذا عساها أن تقرر ما إذا كنا قد وصلنا إلى الاستنتتاج الصحيح عن الكون؟ إلا يحتمل أن تقرر أننا نستنتج استنتاجاً خاطئاً أو أننا لا نستنتج أي استنتاج على الإطلاق؟))(1).
فالمعرفة البشرية وفق هذه الرؤية لا يمكنها معرفة ما قبل الانفجار الأعظم ولا السر الذي وجد الكون لأجله، ولا كيفية الانتقال إلى عالم آخر لا يجري عليه الفناء؛ لأن المعرفة حينئذٍ تجري وفق الانفجار الأعظم وفق هذه النظرية، بل لن تكون معرفة بالمعنى المعروف بل ستكون نوعاً من الجبر كما صرح به في كتابه الأخير (التصميم العظيم، 2010).
وهذه الرؤية وفق هوكنج لن تسمح بالحفاظ على الحياة البشرية أيضاً كما حيث قال هو بنفسه في صدد الحديث عن الحفاظ على الحياة البشرية إذا حصلت نهاية الكون بالانكماش العظيم، قال: ((هل ستكون نهايتنا أو سنكون قد عرفنا كيف نبحر إلى عالم آخر بحلول ذلك الوقت؟
أعتقد أننا سنعرف الجواب فقط حين نفهم لماذا وُجد الكون من الأساس، ربما في ذلك الحين عندما نكتشف السر الكوني الأعظم سنكون أسياداً ليس فقط على كوننا بل والكون المجاور لنا))(2).
وكان هوكنج قد قال أننا لا يمكن معرفة ما قبل الانفجار الأعظم لأن نظريتنا عن الانفجار الأعظم نفسها نشأت وفق القوانين التي تولدت منه فكيف يمكن أن نستنتج سره. فلا يمكن لنا إذن النجاة ببذرة الحياة إلى عالم آخر.
وهذا المصير وهذه التساؤلات يقف الفكر المادي عاجزاً دون بلوغهاً، بينما قدّم الدين وفق مناهجه المعرفية رؤية لما قبل الانفجار الأعظم وما بعد فناء الكون ووعد وأثبت وجود حياة متاخمة (أو مجاورة بحسب تعبير هوكنج) لهذا العالم يبقى الإنسان فيها حياً وسيداً على جميع العوالم، ويحافظ على مداركه فيها ويوسعها بدل النهاية المؤلمة التي لا بد منها وفق العلم الحديث التي لا تسمح للإنسان بحياة أخرى طالما أنه لا يمكنه معرفة سر الخلق.
هوامش:
(1) موجز تاريخ الزمان، ستيفن هوكنج، دار المأمون، ص 32.
(2) تقرير علمي في قناة ديسكفري بعنوان (قصة كل شيء) آخر دقائق منه.