أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ السّنةُ الثّانيَةِ (٢٦)

{الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ* وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ}.
عجيبٌ أمر هذا النّوع من الناس، انّهم يُراعون الحقّ لأنفسهم ولا يُراعونهُ لغيرِهم.
كلُّ شيء من حقّهم، وليس على الاخرين الا الواجبات!.
انّهم كتلةُ حقوقٍ تمشي على الارض، وغيرهم كتلةُ واجباتٍ تسيرُ على الارض.
عندما يتكلّمون عن انفسِهم فلا تسمع على لسانهم الا كلمة (حقّي) اما اذا تكلموا عن الاخرين فلا تردّد السنتهم سوى كلمة (واجبهم)!.
يُسهِبون في الحديث عن حقوقهم، اما الآخرين فيُسهبون في الحديث عن واجباتهم!.
يقبلون التّبرير لأنفسهم ويرفضون التّبرير من غيرهم!.
مشاعرُهُم رقيقةٌ جداً جداً ينبغي على الناس مداراتها بدقّة عند الحديث معهم وعنهم، او حتّى عند ذكر اسمهم! امّا الناس فيحمِلونَ مشاعِرَ من حديد!.
اذا خاطبهمُ الناس عليهم الالتزام بأخلاقيّات الحوار واخلاقيّات التّماس، كما يحلو للبعض تسميتها، امّا اذا تحدّثوا للناس، فكلّموهم على قدْر عقولهم!.
اذا خصّهُ القرارُ فديكتاتوراً، واذا خصّ غيره فالشورى واجبة!.
يتحدّثون عن كرامتهم عندما ننتقدَهم، امّا الاخرون فلا كرامةَ لهم ابداً اذا تحدّثوا عنهم!.
يتوقّعون من الناس ان يصغوا لهم اذا تحدّثوا، اما اذا تحدّث الآخرون فلا قيمة لحديثهم عندهم!.
اذا ذكرتَ رمزهم فعليك ان تذكُره بكلّ احترام وتقدير حدِّ العبوديّة، ولكنّهم اذا تحدّثوا عن رموزِ الاخرين فلم يوفروا صفةً ذميمةً او مصطلحاً قبيحاً الا وقدّموه بين يدي من يتحدّثون عنه!.
يريدونَ من النّاس ان يحترموا رموزهم وعقائدهم وكلّ ما يتعلّق بهم، اما اذا تكلّموا عن الاخرين فلا قيمة عندهم لرمزٍ او معتقدٍ او ايّ شيء!.
انهم ينتظرونَ من النّاس ان يصدّقونهم في كلّ ما يقولون، ولكنّهم يكذّبونَ كلّ مَنْ يتحدّث مِن الناس!.
يحرّمون الغيبة على الاخرين ويحللونها لأنفسهم، ويحرّمون الكذب على الاخرين ويحلّلونه لأنفسهم، ويحضرون سوءَ الظّن على الاخرين ويحلّلونهُ لأنفسهم، ويحرّمون التناجي بالاثم والعدوان ومعصية الرسول على الاخرين ويبيحونهُ لأنفسهم، وهكذا!.
رموزُهم مقدّسة ورموزُ غيرهم لا قيمةَ لها، ورأيهم لا يحتمل الخطأ ورأي غيرهم لا يحتمل الصواب! وإنجازاتهم لا جدال فيها لدقّتها وانجازات غيرهم لا قيمة لها لعبثيّتها!.
كلّ ما يقولونه ويصرّحون به ويفعلونه ويدعون له في محلّه تقطرُ منه الحكمة، اما غيرهم فقولُهم وفعلُهم فوضى ليست في محلّها!.
هم وطنيّون وغيرهم عملاء، هم اصلاء وغيرهم دخلاء، هم علماء وغيرهم عوام!.
وتتعاظم المصيبة عندما يَكُونُ هذا النوعُ من النّاس هو كلّ المجتمع، فلا يعترفَ احدٌ بأحدٍ، لا برمزٍ ولا بمعتقدٍ ولا برأيٍ ولا بمنجزٍ ولا بأيّ شيء آخر، فكلُّ واحدٍ يتخندق خلفَ ما يعتقد به فقط مقاتلاً من اجل تسقيط الاخرين، رموزهم وعقائدهم وآراءهم وإنجازاتهم وكلّ شيء يتعلّق بهم!.
عند ذلك فسيكون المجتمع آحاداً وافراداً لا يجمع شيء بينهم ابداً، وعندها فسيسهُل على كلّ من هبّ ودبّ ان يضحك عليه ويمرّر أجنداته الفاشلة، لانّه مجتمعٌ ممزّقٌ يُسقِطُ بعضهُ بعضاً!.
أينَ الخلل؟.
إِنَّهُ، برايي، بما يلي؛
اولاً؛ الانانيّة والتطرّف بحبّ الذّات والاعتداد المطلق بالنفس، والتي يظّن بها المرء انّه لوحدهِ له الحقّ وعلى الاخرين الواجبات فقط، خاصة اذا كان مسؤولاً في الدّولة، وبالذات اذا كان مسؤولاً في سلطة مستبدّة وديكتاتوريّة، فهو سيظنّ انّ له حقوقاً على الرّعية وليس لها الا ان تلتزم بواجباتها! فيبدأ عندها بالتّدقيق في حقوقهِ وواجبات غيره! وكأنّ الله تعالى خلق البشر طبقات، سادةٌ لها الحقوق، كلّ الحقوق، فقط، وعبيدٌ عليها الواجبات، كل الواجبات، فقط!.
امّا أمير المؤمنين (ع) فيقول؛
{أَمَّا بَعْدُ، فَقَدْ جَعَلَ اللهُ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً بِوِلاَيَةِ أَمْرِكُمْ، وَلَكُمْ عَلَيَّ مِنَ الْحَقِّ مثْلُ الَّذِي لِي عَلَيْكُمْ، فَالْحَقُّ أَوْسَعُ الاَْشْيَاءِ فِي التَّوَاصُفِ، وَأَضْيَقُهَا فِي التَّنَاصُفِ، لاَيَجْرِي لاَِحَد إِلاَّ جَرَى عَلَيْهِ، وَلاَ يَجْرِي عَلَيْهِ إِلاَّ جَرَى لَهُ، وَلَوْ كَانَ لاَِحَد أَنْ يَجْرِيَ لَهُ وَلاَ يَجْرِيَ عَلَيْهِ، لَكَانَ ذلِكَ خَالِصاً لله سُبْحَانَهُ دُونَ خَلْقِهِ، لِقُدْرَتِهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلِعَدْلِهِ فِي كُلِّ مَا جَرَتْ عَلَيْهِ صُرُوفُ قَضَائِهِ، وَلكِنَّهُ جَعَلَ حَقَّهُ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يُطِيعُوهُ، وَجَعَلَ جَزَاءَهُمْ عَلَيْهِ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ تَفَضُّلاً مِنْهُ، وَتَوَسُّعاً بِمَا هُوَ مِنَ الْمَزِيدِ أَهْلُهُ}.
وهو اوّل حاكم حدّد الحقوق والواجبات المتبادلة بين الرّاعي والرّعية في اوّل خطابٍ القاهُ بعد تسنّمه لمقاليد السّلطة، قائلاً؛
{أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ لِي عَلَيْكُمْ حَقّاً، وَلَكُمْ عَلَيَّ حَقٌّ:
فَأَمَّا حَقُّكُمْ عَلَيَّ: فَالنَّصِيحَةُ لَكُمْ، وَتَوْفِيرُ فَيْئِكُمْ عَلَيْكُمْ، وَتَعْلِيمُكُمْ* كَيْلا تَجْهَلُوا، وَتَأْدِيبُكُمْ كَيْما تَعْلَمُوا.
وَأَمَّا حَقِّي عَلَيْكُمْ: فَالوَفَاءُ بِالبَيْعَةِ، وَالنَّصِيحَةُ في الْمَشْهَدِ وَالْمَغِيبِ، وَالاِْجَابَةُ حِينَ أَدْعُوكُمْ، وَالطَّاعَةُ حِينَ آمُرُكُمْ}.
وغيره، لا يحدّثنا الا عن حقوقه وواجبات الرعيّة!.
ثانياً؛ عندما لا يجعل المرء من نفسه ميزاناً للحكم على الاخرين، في علاقاته العامة والخاصة وفي الحقوق والواجبات وفي كلّ شيء.
لقد أوصى امير المؤمنين (ع) ولده الحسن المجتبى السبط (ع) بقوله؛
{يَا بُنَيَّ، اجْعَلْ نَفْسَكَ مِيزَاناً فِيَما بَيْنَكَ وَبَيْنَ غَيْرِكَ، فَأَحْبِبْ لِغَيْرِكَ مَا تُحِبُّ لِنَفْسِكَ، وَاكْرَهْ لَهُ مَا تَكْرَهُ لَهَا، وَلاَ تَظْلِمْ كَمَا لاَ تُحِبُّ أَنْ تُظْلَمَ، وَأَحْسِنْ كَمَا تُحِبُّ أَنْ يُحْسَنَ إِلَيْكَ، وَاسْتَقْبِحْ مِنْ نَفْسِكَ مَا تَسْتَقْبِحُ مِنْ غَيْرِكَ، وَارْضَ مِنَ النَّاسِ بِمَا تَرْضَاهُ لَهُمْ مِنْ نَفْسِكَ}.
ينبغي ان يجعلَ كلّ واحدٍ منّا نَفْسَهُ ميزاناً في العلاقة مع الاخرين ليُنصفهم.
ثالثاً؛ وعندما يُعجبُ المرءُ بانجازاته ونجاحاته، فيظنّ انّه صاحبُ الفضل على الناس ولذلك عليهم واجب الطاعة والاحترام والتقدير وله الحق المطلق في ذلك من دون ان يكون لهم عليه ايّ حقٍ!.
عندما يُعْظِِم إنجازاته ويقلّل من قيمة إنجازات الاخرين حدّ الاستخفاف.
امّا امير المؤمنين (ع) فقد حلّ هذه المشكلة عندما ذكرها في وصيته لولده الحسن السبط (ع) بقوله؛
{وَاعْلَمْ، أَنَّ الاِْعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ، وَآفَةُ الاَْلْبَابِ فَاسْعَ فِي كَدْحِكَ، وَلاَ تَكُنْ خَازِناً لِغَيْرِكَ، وَإِذَا أَنْتَ هُدِيتَ لِقَصْدِكَ فَكُنْ أَخْشَعَ مَا تَكُونُ لِرَبِّكَ}.
انّها قاعدة ذهبيّة يجب ان ننتبه لها دائماً؛
اذا أردتَ ان يحترمك الآخرون فاحترمهم اولاً.
واذا اردت ان يقدّر الآخرون جهدك وتعبك فقدّر انت جُهدهم وتعبهُم اولاً.
واذا تمنّيت لو يحترم الآخرون رمزك الّذي تقدّسهُ، فاحترم رموزهم اولاً.
واذا توقّعت ان يَصغي الى كلامك الآخرون ولا يسيئون الظنّ بك ولا يحاسبونك على النّوايا، فافعل انت الشيء نَفْسَهُ معهم اولاً.
لا تنتظر من الاخرين شيئاً لم تفعله معهم انت اولاً.
احترمْ انت حقوقهم ليحترموا حقوقك، وادّ واجباتك ازاءهم ليؤدّوا واجباتهم ازاءك، وعلى كلّ الاصعدة والمستويات، الشّخصيّة منها والعامّة.
١٢ تموز ٢٠١٥
للتواصل؛
E-mail: nhaidar@hotmail. com
Face Book: Nazar Haidar
WhatsApp & Viber& Telegram: + 1 (804) 837-3920

Comments (0)
Add Comment