الظلامة وشهرة الشخصيات الفكرية وحصانتها

حين بحثنا في قصة بعض الكُتّاب المشهورين؛ للبحث عن سرّ شهرتهم رغم أن عطاءهم الفكري ليس بمستوى شهرتهم:
وجدنا أن سرّ تلك الشهرة هو بسبب ظلامة تعرضوا لها بحق أو بباطل، فعوّضهم الناس عن تلك الظلامة بمزيد من التعظيم، وصارت الرغبة في نُصرة المظلوم دافعاً للاطلاع على أفكارهم بديلاً عن الرغبة في معرفة الفكرة الصحيحة، وصارت محبة قراءة القصص الحزينة بديلاً عن محبة الحقيقة.
وتألفت مجموعات تتعصب لأولئك المفكرين وهم يظنون أنهم يمارسون وظيفة مقدسة. نعم إن نصرة المظلوم وظيفة مقدسة ولكن على أن لا نخلط بينها وبين وظيفة مقدسة أخرى وهي تنقية الفكر والبحث عن الحقيقة.
فينبغي أن نفرّق بين البحث لإنصاف المفكرين المظلومين والبحث عن الفكر الصحيح؛ لأننا وجدنا أن ذلك التعاطف صار يمنع من انتقاد فكرة خاطئة لذلك المفكر المظلوم، ومن يستمعك تنتقده سيصنفك في جانب أعدائه وظالميه وينبري بحماس للدفاع عنه بكل ما يعرفه من حجج أو شتائم إن لم تكن هناك حجة.
وهكذا ترفع الظلامة المفكرين المظلومين إلى مستوى العصمة وتتألف التحجّرات الفكرية على آثارهم حتى لو أعلن نفس أولئك المظلومين أن أفكارهم بحاجة إلى إعادة نظر وأنهم لو عاشوا أكثر من ذلك لغيروا عدداً من أفكارهم! تلك الأفكار التي كانت هي سبب عداوات من عاداهم وظلم من ظلمهم.
ونقطة الضعف هذه في الثقافة الشعبية من دمج العاطفة بالفكر، والتعصب بالإنصاف، عرفها صنفان من أعداء الدين والإنسانية وتجار الفكر والثقافة:
الصنف الأول: بعض الباحثين عن الشهرة، فصارت ستراتيجيتهم لترويج أفكارهم صنع ظلامة لهم في أذهان الناس باستفزاز العلماء والفقهاء بكلمات منمقة في الظاهر وخطيرة في الباطن، لعل الوسط الديني يكفّرهم أو يحذّر منهم، فيتظلمون لدى الناس ويبدون للعامة بصيغة المفكر المظلوم الذي يحافظ على أخلاقه وهدوئه، مما يصعّد من شخصيته في نظر المتلقي الذي يأخذ الظاهر دون النظر إلى فحوى الكلام.
الصنف الثاني: عملاء الولايات المتحدة الذين يكيدون للمجتمع المسلم ويحاولون بث الشبهات في الأذهان، فإنهم مارسوا هذه المهمة لتضخيم أشخاص معينين بعنوان الظلامة لتسويق أفكارهم كما تقدم في الصنف الأول، ولذا ترى بعض الكتب تتضمن مقدمات عن سيرة الكاتب يذكرون فيه (مأساة) الكاتب مع خصومه وكيف واجهة (الحاسدون) فينشد القارئ للكتاب تعويضاً ومحبة للكاتب فلا يفرق بين قصة الكاتب والقصة التي يريد الكاتب اقتصاصها علينا.
فعلى القراء الأعزاء أن يتجردوا عن العواطف، وأن ينتبهوا إلى هذا المدخل الخفي، وأن يركزوا على الأفكار بشكل مجرد بدون عاطفة.
ومن المهم جداً أن لا ننظر إلى كل عملية نقد على أنها عملية تسقيط، بل إن نقد الكاتب أحياناً يكون خدمة له، لأن المؤمن في البرزخ قد يتذكر أفكاره الخاطئة فيندم عليها ويتحسس الخطر الذي قد يلحقه من تلك الأفكار ويتمنى أن يأتي شخص لتصحيحها فتنقطع آثار أفكاره الخاطئة عنه ويطمئن ضميره في القبر.

Comments (0)
Add Comment