في خفاء العصمة … الحلقة الاولى

بسم الله الرحمن الرحيم
إن البشرية منذ أن أوجدها الخالق المدبر، وهي تسير نحو كمالها بخطوات فاعلة ومسببات كونية لا تخلو من الحكمة الإلهية، ورعاية القيادة الربانية، وتركيز جهود الأنبياء ملهمين الحكمة من الله سبحانه وتعالى، وعارفين بالتخطيط الإلهي، انتقلت فيها البشرية من أطوار اللاوعي إلى الوعي والإدراك والفهم، وقادت إلى تأسيس وبناء الحضارة، كما قيل في الفلسفة (ما من شيء في الوجود إلا ويسير نحو كماله) ، كما أن دور الأنبياء (عليه السلام) كان مثاليا في شدة ارتقاء وعي البشرية للانتقال بها كما عبرنا من طور اللاوعي أو الوعي المحدود والبدائية إلى طور الوعي بمستوى مقبول ومعتد به ، ولكنه مازال بحاجة للارتقاء به أعظم وأوسع حتى يصل لمستوى قبول طرح أكثر عمقا وفي نفس الوقت يكون الذهن العام قابل لذلك الطرح وهذا يعبر عن تسلسلية التكامل وتدريجيته.
فمن الطبيعي أنها (البشرية) تمر بمراحل زمنية طويلة وتتعرض لشتى الصعوبات المعرقلة لسيرها، لصقل شخصيتها وتنقيتها من الشوائب والأدران، وفي الآن ذاته يوجد من يكملها فهما ووعيا ودينيا، في تخطيط الهي محكم، اقتضى في حكمته واستهدف تربية تلك البشرية على نطاق معين، وتدريجي لتصل بوعيها الإدراكي في تقبل طرح الإسلام الذي من شأنه نسخ الديانات السابقة عليه، والتوجه بالكامل لرسول الإسلام النبي محمد (صلى الله عليه واله) في مرحلة التنزيل واثبات وجود الإسلام وتعميق طرحه الشمولي لجميع ضروب الحياة، وبين ذلك (صلى الله عليه واله) في قوله لأمير المؤمنين (عليه السلام) : (يا علي قاتلت أنا على التنزيل وتقاتل أنت على التأويل) وكما انه (صلى الله عليه واله) أرسى المبادئ الإسلامية وشخص مواطن العلل في النفس البشرية وانتقل لبنائها من الداخل والخارج، ونجد ذلك واضحا جليا في قوله (صلى الله عليه واله) للمحاربين بعد عودتهم من ارض المعركة : (أنهيتم الجهاد الأصغر وينتظركم الجهاد الأكبر) وهو جهاد النفس بلا شك، إلى أن استطاع (صلى الله عليه واله) أن يبنى مجتمع مدني متحضر يحكمه القانون والدولة على أساس الإنسانية في التعامل، ونقل ذلك المجتمع الجاهلي لمستوى الخضوع للقانون حتى أن بعض المفكرين يعبر عن ذلك الدور بالمعجزة كونه انتقل بذلك المجتمع البدائي الجاهلي لمجتمع متحضر ، وأنهى كل معاني الجريمة بحق الإنسانية وأسس لحقوق الإنسان الكريمة وقضى على الطبقية المقيتة في وقت محدود .
وتستمر البشرية في هذا الوجود التكاملي للوصول إلى السعادة المنشودة والعدل المطبق على المعمورة لتتم دولة الله وخلافته في الأرض والتوجه الكامل إليه تبارك وتعالى لما يظهر القائم المنتظر (عليه السلام) والمعلوم حقا أن الأمر لا ينتهي بذلك الظهور وبسط العدل وإنما يستمر التخطيط الإلهي في الحياة لتصل البشرية لمستوى من التكامل والوعي والإدراك لعصمة الرأي العام كما يعبر الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) في موسوعته المباركة ، بل الأمر ابعد من ذلك حتى تصل البشرية لتكامل ما بعد العصمة وذكر الشهيد الصدر هذا المعنى في كتابه أضواء على ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) : (وقد يخطر في الذهن : أنه يكفي الإعداد للظهور في العشر السنوات الأخيرة السابقة عليه في علم الله سبحانه، قلنا : كلا، فإن الحال في هذه العشر سنوات أيضا تحتاج إلى سبب وسببه يحصل في العشر السنوات التي قبلها، وهكذا إلى أن يصل إلى عصر صدر الإسلام، ويتصل بالأئمة المعصومين عليهم السلام وأصحابهم، بل يتصل بما قبل الإسلام منذ نزول آدم عليه السلام فما بعده، لأن ذلك كله نظام واحد متصل ومتسلسل يتبع بعضه بعضاً في الحكمة الإلهية كنظام الخرز)، وذكر الشهيد الصدر في كتابه اليوم الموعود : (فترة المجتمع المعصوم بكل أفراده، أو أكثريتهم الكاثرة : وهو الهدف الأعلى لوجود البشرية، الذي به يتحقق الغرض الأساسي من وجودهم) وفي الصفحة التالية لهذا الكلام يقول (قدست نفسه الزكية) : (أن البشرية تستمر في التكامل، من ـ تكامل ما بعد العصمة ـ فإن العصمة في مراحلها الأولى : هي أخر مراحل الكمال الأدنى وأول مراحل الكمال الأعلى … والكمال لا متناهي الدرجات، كما سمعنا، إذن فهناك فرصة واسعة أمام البشرية للتكامل بعد ذلك، ما شاء لها ربها وإخلاصها لها الكمال) .
وفي طور هذا الكلام نواجه إشكالية طرحت قبل أيام من البعض وهي أن كلام الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) يحتمل الخطأ على اعتبار عدم عصمته ، وحقيقة هذا الأمر والإشكالية جرت على الأمة الإسلامية الويلات منذ صدر الإسلام فقالوا أن علي بن أبي طالب إمام بالقضايا الدينية الفقهية والآخر خليفة بالمعنى السياسي، وفي زماننا هذا تبجحوا بأمثال هذا الكلام وغيره وقالوا بفصل الدين عن السياسة وطالبوا بعدم تدخل المرجعية الشريفة بالقضايا السياسية وهي من شأن أهل الخبرة بالوضع السياسي فأصبح مرتكزا لدى الأذهان أن إدارة شؤون الحياة ليس من اختصاص الإمامة الدينية، وان دورها يقتصر فقط وفقط على العبادات وبعض الإحكام الشخصية، والتقوا بذلك مع نظرة الجاهلية الرعناء بفهمها لمقولة عيسى النبي (ع) : (ما لله لله وما لقيصر لقيصر) وهذا هو الشرك بعينه فإن الملك كله لله وحده وما من واقعة إلا ولله فيها حكم، والقائد الفعلي للأمة الإسلامية على طول مراحل وجودها يكون ممثلا لأحكام الله وللحديث القائل (ما من واقعة إلا ولله فيها حكم) .
ومن المعلوم أن معنى العصمة لم يكن واضحا لدى البشرية في زمان الأئمة المعصومين (عليه السلام) ما كان يحمل البعض على ترك مذهبهم الشريف حين صدور أمر أو توجيه يخالف بنيته العقلية المتدنية لعدم فهم وإدراك المغزى من ذلك التوجيه، ومن هؤلاء الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) ، وجيش الإمام الحسن (عليه السلام) الذي خان قياداته العهد وبايع الكثيرين منهم الطرف المقابل حتى وصلت الدونية ببعضهم يقول له (عليه السلام) السلام عليك يا مذل المؤمنين .
إن النظرة الضيقة في فهم القيادة أمر في غاية الخطورة لتعامل القاعدة مع القيادة والقائد الفعلي المباشر للأمة ، كوننا نعلم يقينا أن الأمة أو القاعدة لا تصل في كثير من القضايا والأمور لفهم ووعي حركات وسكنات القيادة الدينية مما يقودها لان تحمل القيادة على الخطأ، وبالتالي هذا يجر أما ترك التوجه لهذه القيادة وعدم الانصياع لأوامرها، أو التبعيض في قبول تلك التوجيهات، فما يقبله العقل يؤخذ به وغيره شأنه الترك ، حتى حمل ذلك من البعض انه قال : (مالفرق الشيخ اليعقوبي شيخ وأنا شيخ) ، وغيره يقول: (كان توجيه الشيخ اليعقوبي في المسألة الفلانية ضعيفا ونحن نخشى طرحه) واحد مناشئ ترسيخ هذا الفهم الخاطئ والخطير هو الحلقة الوسطية التي تجلس في كوكب آخر، حتى قال عنهم سماحة المرجع الشيخ اليعقوبي (دام ظله) : (أن الحلقة الوسطية لم تفهم من المشروع أكثر من 5 % ) ولا اخص الجميع طبعا فيوجد من الواعين جزأهم الله خير جزاء المحسنين ، ولا اعتقد أن سماحة الشيخ يقصد الدراسة الحوزوية بل هم والحمد لله من المتفوقين في ذلك ، بقدر ما يقصد الالتفات لكذا مطالب ومقاصد وترسيخها في عقول وقلوب الأمة .
نسبة الخطأ للقيادة الدينية النائبة عن المعصوم (عليه السلام) في القضايا الفقهية : نتيجة للفهم الناقص والمحدود يسقط البعض في التشكيك بالقيادة الدينية لما يجد الاختلاف بينها وبين السابق لها ، وهذا التشكيك كما وضحنا وبينا خطورته الجسيمة في كيان الأمة وعلاقتها بالقيادة الدينية ، ما دعي البعض أن يخطأ الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) في تحديد طهارة الشمس ، فالسيد الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) يقول بان الشمس غير مطهرة ، والمرجع الديني سماحة الشيخ اليعقوبي (دام ظله) يذهب إلى القول بان الشمس مطهرة ، وهذا الاختلاف قاد البعض لان يقول بخطأ السيد الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) ، ولا اعلم بعد ذلك أن من سيأتي ليخلف الشيخ اليعقوبي (دامت بركاته) لو قال بان الشمس غير مطهرة فهل سنقول أن الشيخ اليعقوبي اخطأ ، لقد فات المعترض والمشكك أن القضايا الفقهية متجددة ومتغيره تبعا للظروف وتتكامل مع تكامل البشرية وتسير بطول ذلك التكامل، لذا من الطبيعي أننا نجد هذا الاختلاف المفسر بمعناه السابق للذهن البشري بما ورد عن أهل البيت (عليه السلام) : (يسأل احدهم المعصوم فيقول نجد عندك ما يخالف أبيك فما نصنع ، فيقول المعصوم (عليه السلام) خذوا بقول المتأخر)، نسأل هل كان الإمام المعصوم (عليه السلام) السابق على خطأ وحاشاه ، لما وجده أصحابهم من الاختلاف بينهم ؟؟
نسبة الخطأ للقيادة الدينية النائبة عن المعصوم في القضايا الفكرية : إن نسبة الخطأ للقيادة النائبة عن المعصوم في القضايا الفكرية وقائلها من شأنهم تجميد النتاج الفكري والعلمي، من المؤلفات والأطروحات العلمية، والمحاضرات وغيرها، لأنه أن وجد الاحتمال في الخطأ فهذا الاحتمال يسري في أي مما ذكرناه من النتاج الفكري والعلمي، فبالتالي لا نستطيع تحديد الخطأ أو التعرف إلى مواطنه وهذا يحملنا إلى الترك لتحاشي الوقوع وتكرار الخطأ من مثلا السيد الشهيد الصدر الثاني (قدست نفسه الزكية) والذي شكك الكاتب وتبجح بالتشكيك وتخطئة السيد الشهيد والشيخ اليعقوبي، داعما قوله واستدلاله بعدم عصمة الشهيد (قدست نفسه الزكية) أو الشيخ اليعقوبي، وخصوص العصمة بالأئمة المعصومين (عليه السلام) والأنبياء، وسنثبت في قادم البحث أن شاء الله وهم هذا الطرح .
وقد يرد استشكال آخر بان السيد الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) قد اخطأ في صلاة الجمعة حين قرأ آية من القرآن الكريم ، وفي الجمعة التالية وجه السيد كلامه في الخطبة بأنه اخطأ في آية في الجمعة الماضية وانه سيصحح ذلك الخطأ اليوم، وأيضا اخطأ (قدست نفسه الزكية) في نسبة بيت من الشعر لغير صاحبه .
فنقول : إن أمير المؤمنين (عليه السلام) هو سيد العارفين وكان يعلم ما في قلب الآخرين ويعلم بالأمور من قبل حدوثها، ويقول عنه رسول الله (صلى الله عليه واله) : (يا علي انك ترى ما أرى وتسمع ما اسمع )، وقوله : (يا علي لا يعرف الله إلا أنا وأنت)، ومع ذلك تردنا رواية بما مضمونها عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) : (لربما بحثت عن الجارية فلم أجدها)، على الرغم بأنها في الغرفة المجاورة ، فهل هذا يعني ضرب في عصمته حاشاه (عليه السلام) أو التقليل من شأنه وعلمه الباطن؟ فما هو الرد تجاه هذا النص ؟ يناقش السيد (قدست نفسه الزكية) هذه الرواية ويرى أن الإمام علي (عليه السلام) كان يتعمد هكذا وضع حتى لا تنسب إليه الربوبية ، أو أن الله سبحانه اقتضى في حكمته أن الإمام لا يجد الجارية لنفي الربوبية عنه، وهذا هو المعنى الحقيقي للمغالاة الباطلة، حيث ورد عنهم (عليه السلام) : (نزهونا عن الربوبية وقولوا فينا ما شئتم)، قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): (إياكم والغلو فينا ، قولوا إنا عبيد مربوبون ، وقولوا في فضلنا ما شئتم) (الخصال: 614). وأيضاً روى الصفار في (بصائر الدرجات ص216) عن أبي عبد الله (عليه السلام): (يا إسماعيل لا ترفع البناء فوق طاقتنا فينهدم، إجعلونا عبيداً مخلوقين، وقولوا فينا ماشئتم). ، ولعلنا نفهم من المصلحين عبر العصور أنهم يلجئون لهكذا أمور ومنهم السيد الشهيد الصدر (قدست نفسه الزكية) لتحاشي المغالين والمتسلقين الذين يجدون أنهم بهذا الفعل يرتفعون عند العامة كونهم على علم ومعرفة لا حدود لها في الشخص القائد!!!
ومع هذا التخطيط فانه (قدست نفسه الزكية) لم يسلم من أولائك الحمقى ، حتى جرهم الشيطان للاعتقاد بأنه المهدي المنتظر وغيرها من الترهات، وفي جميع الأحوال فذلك غير مؤثر إطلاقا في شخصية السيد الشهيد وعلميته وعبقريته .
ونكمل الحديث في حلقات قادمة ان شاء الله تعالى

Comments (0)
Add Comment