ولاية الامر ضرورة لانقاذ الامة : الحلقة الثالثة

اذن فالامامة او ولاية الامر هي من الضرورات العقلية التي لا بد من الاعتراف بها، للحفاظ على التوازن الاجتماعي وحفظ مصالح الامة، ولم يقتصر هذا القول على الشيعة الامامية، فالمذاهب الاخرى ايضا تقول بذلك:
قال ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح قول أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ” لا بد للناس من أمير ” : هذا نص صريح منه ( عليه السلام ) بأن الإمامة واجبة ، وقد اختلف الناس في هذه المسألة فقال المتكلمون : الإمامة واجبة ، إلا ما يحكى عن أبي بكر الأصم من قدماء أصحابنا – المعتزلة – أنها غير واجبة إذا تناصفت الأمة ولم تتظالم . وقال المتأخرون من أصحابنا : إن هذا القول منه غير مخالف لما عليه الأمة ، لأنه إذا كان لا يجوز في العادة أن تستقيم أمور الناس من دون رئيس يحكم بينهم ، فقد قال بوجوب الرئاسة على كل حال. شرح نهج البلاغة ج2 ص 307
وقال الأسفرائيني : اتفق جمهور أهل السنة والجماعة على أصول من أركان الدين ، كل ركن منها يجب على كل عاقل بالغ معرفة حقيقته ، ثم ذكر الأركان إلى أن قال : والركن الثاني عشر : إن الإمامة فرض واجب على الأمة لأجل إقامة الإمام ، ينصب لهم القضاة والأمناء ، ويضبط ثغورهم ، ويغزي جيوشهم ، ويقسم الفئ بينهم ، وينتصف لمظلومهم من ظالمهم. دلائل الامامة محمد بن جرير الطبري ص 16
يقول ابن سينا في كتاب الشفاء (يجب على واضع السنة ان يأمر بإطاعة خليفته و تعيين الخليفة أما ان يكون من قبله أو بإجماع أهل السابقة على تولية من اثبت للناس علانية انه صاحب سياسة مستقلة وعقل راجح وأخلاق شريفة كالشجاعة والعفة وحسن التدبير وانه اعلم الناس بأحكام الشريعة ولا احد اعلم منه واثبات هذه الصفات بالشخص المختار يجب ان يكون واضحاً وعلنياً ومقبولاً من الجمهور ومتفقاً عليه وإذا وقع اختلاف وتنازع بينهم بعلة انقيادهم للهوى والهوس واختاروا آخر لا يستحق الخلافة ولا يليق بها فقد كفروا بالله عز وجل وتعيين الخليفة بالتنصيب أفضل لأنه يبعد النزاع والخلاف). (حسين بن عبد الله (ابن سينا )، الشفاء(الإلهيات)، نقلا عن المنهاج عدد 25 السنة السابعة).
ويقول الفارابي في نفس هذا الحقل في المدينة الفاضلة ( رئيس المدينة الفاضلة هو أما الرئيس الأول أو الرئيس الثاني أما الرئيس الأول فهو الذي يوحى إليه وهو الذي يضع القوانين وينظم الأحكام و الشرائع والسنن التي شرعها هذا الرئيس وأمثاله تقر وتنفذ. ولكن المدينة لا يتيسر لها دائماً مثل هذا الرئيس إذ (لا يوجد من فطر على هذه الفطرة إلا الواحد بعد الواحد والأقل من الناس) فإذا اتفق ان فقد مثل هذا الرئيس في وقت من الأوقات فالرئيس الثاني يخلفه يجب ان يتمتع بكثير من الصفات وان يكون عالماً بالشرائع والقوانين والأساليب التي شرعها الرئيس الأول حافظاً لها وان يكون حكيماً ذا عقل وقوة استنباط كما ينبغي ان يعرف ويستنبط أحكاما من الأمور المستحدثة التي تطرأ بمرور الزمان ولم يواجه السابقون مثلها قاصدا في ذلك صلاح المدينة ومصلحته.( الفارابي أبو نصر ،أراء أهل المدينة الفاضلة نقلا عن المنهاج عدد 25 السنة السابعة. )
فلا خلاف اذا من حيث اصل المطلب اي ان الجميع متفق على ضرورة الامامة او ولاية الفقيه، لكن حصل الخلاف في هل انه لطف الهي ويعين بالنص، ام انه واجب عقلي ويخير الناس باختياره. فالاول هو مبنى الشيعة الامامية، والثاني ما ذهب اليه اهل السنة.
وكما قلنا سابقا ان الشيخ اليعقوبي (دام ظله) يبني اراؤه على اسس وقواعد لم تكن خاضعة للمشهور او عصبية، فكان رأيه في هذه المسالة جامع لكلا الاتجاهين، يقول بالنص لكن بضم اختيار الامة، وينطلق لهذا الرأي من الواقع العملي اي وان كان هناك نص واحقية بقيادة الامة الا ان ابتعاد الامة لسبب او لاخر يعطل عمله وكم نبي ضيعه قومه. كما انه ينطلق من موقف امير المؤمنين علي (ع) حين عادت اليه الامة بعد ثورتهم على الخليفة الثالث، فقال : (أما والذي فلق الحبة . وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام الحجة بوجود الناصر . وما أخذ الله على العلماء أن لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لألقيت حبلها على غاربها ولسقيت آخرها بكأس أولها . ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي من عفطة عنز). نهج البلاغة
الا ان هذا الانتخاب والاختيار ليس من عامة الناس، بل من اهل الخبرة المنصفين الذين يستطيعون التمييز ما ينفع الامة ومن الاجدر لقيادتها، وفي وقتنا الحالي هم فضلاء الحوزة.
وولي الامر لا بد ان يكون حائزا على اعلى الصفات الحميدة علما واخلاقا وحكمة، وهذا مما لا يختلف عليه اثنان، فالشيعة الامامية يشترطون هذه الشروط كي يتأهل لقيادة الامة، ولا اعتقد ان اهل السنة يعترضون عليها.. عندما حاول بعض الكتاب ان يطعنوا بقضية الامامة عند الشيعة لينفي بعد ذلك نيابة المعصوم في زمن الغيبة لتضرب المرجعية وهي غايتهم، كانت اجابة المرجع الشيخ اليعقوبي (دام ظله) : حتى لو تنزلنا عن هذه الفكرة، فاننا نشترط في قيادة الامة ان يكون حائزا على اعلى الصفات الحميدة من علم فهو يقضي عشرات السنين من عمره في تحصيل العلوم، ويجاهد نفسه والسيطرة على الشهوات، وان يكون له تاريخ معروف، وان يكون طاهر المولد…فهذا كاف ليؤهله للقيادة.
فولاية الامر كانت ولا زالت قضية اسلامية محورية لا تختص بالشيعة فقط وانما يجب تفعيلها وبالشروط التي يسير عليها الشيعة لانها شروط يقبلها العقل والشرع، ولو ان المسلمين ساروا على هذا النهج لاكلوا من فوق رؤسهم ومن تحت ارجلهم.
ولا يقتصر الامر على زمن وجود الائمة حال ظهورهم، وانما هو مستمر حتى في حال الغيبة، فهناك علماء ورواة حديثهم قد نصبوهم لقيادة الامة نيابة عنهم، ونحن كمسلمين مكلفين باتباعهم والانقياد لهم على تحقق الشرائط بهم، لا كما يحاول ان يصور بعضهم ان هناك لقاءات بالامام المهدي (ع) وانه هو من يعطي الاحكام !! وقلولهم (عليهم السلام) واضح وصريح بضرورة اتباعهم على اساس تقصي الشخصية الملائمة والمناسبة والتي يتحقق بها الشروط، وتكون هذه القيادة حجة بذاتها على الامة، وان كانت هي نائبة عن المعصوم، ولا يوجد من فقهاء الشيعة من يقول بواقعية الاحكام التي يصدرها للامة.
وقد اكدت الروايات ضرورة وجود علماء في كل زمن وجيل يدفعون الاباطيل ويحرسون الدين من التحريف والاندثار، كما انها اكدت على ان يكون هؤلاء الحجج ظاهرين للناس ويمكن الرجوع اليهم والاخذ منهم:
قال جعفر بن محمد عليه السلام : علماء شيعتنا مرابطون في الثغر الذي يلي إبليس وعفاريته ، يمنعونهم عن الخروج على ضعفاء شيعتنا ، وعن أن يتسلط عليهم إبليس وشيعته النواصب ، ألا فمن انتصب لذلك من شيعتنا كان أفضل ممن جاهد الروم والترك والخزر ألف ألف مرة ، لأنه يدفع عن أديان محبينا ، وذلك يدفع عن أبدانهم . الاحتجاج الشيخ الطبرسي ج2 ص 155
ولم تخلوا الأرض منذ خلق الله آدم من حجة لله فيها ، ظاهر مشهور أو غائب مستور ، ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله ، ولولا ذلك لم يعبد الله .
قال الإمام الصادق ( عليه السلام ) : ما تبقى الأرض يوما واحدا بغير إمام منا تفزع إليه الأمة.
وعنه ( عليه السلام ) : إن الأرض لا تكون إلا وفيها حجة ، إنه لا يصلح الناس إلا ذلك ، ولا يصلح الأرض إلا ذاك.
ان الفهم السائد عند مذهب الامامية لهذه الروايات انها جاءت بحق ائمة اهل البيت (ع) فقط، وان اي رواية جاء فيها لفظ الامام او الحجة فالمعني بها الائمة المعصومين (ع)، نعم في كثير منها هم المعنيين فيها، الا ان الذي يدقق فيها يجد ان فيها روايات كثيرة انما عنوا بها الحجة المعني بانطباق الشرائط التي ذكروها في روايات اخرى وارادوا من الامة اتباعهم على اساس انهم نصبوا من قبلهم (هم حجتي عليكم). فهناك روايات كثيرة وردت لا يستقيم معناها مع حال غيبة الامام المعصوم.. منها:
عن إسحاق بن عمار عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول إن الأرض لا تخلو الا وفيها عالم كلما زاد المؤمنون شيئا ردهم وان نقصوا شيئا تممه لهم . بصائر الدرجات محمد بن الحسن الصفار ص 351
عن إسحاق بن عمار قال قال أبو عبد الله عليه السلام ان الأرض لا تخلو من أن يكون فيها من يعلم الزيادة و النقصان فإذا جاء المسلمون بزيادة طرحها وإذا جاؤوا بالنقصان اكمله لهم ولولا ذلك لاختلط على المسلمين أمرهم. نفس المصدر والصفحة.
عن أبي حمزة قال قال أبو عبد الله عليه السلام لن تبقى الأرض الا وفيها رجل منا يعرف الحق فإذا زاد الناس فيه قال قد زادوا وإذا نقصوا منه قال قد نقصوا وإذا جاؤوا به صدقهم ولو لم يكن كذلك لم يعرف الحق من الباطل . نفس المصدر والصفحة.
يقول المرجع الشيخ اليعقوبي (دام ظله) : (وقد وعدت الاحاديث الشريفة بأن الله تعالى يقيض لهذا الدين في كل زمان من يمثله هذا التمثيل ليكون حصنا حقيقيا للاسلام ، قال (عليه السلام) : (فان فينا اهل البيت في كل خلف عدولا، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين) فكونوا من هذا الخلف فانها فرصة متاحة لاي احد يعمل بجد واجتهاد، لتأهيل نفسه لهذا الموقع، والله تعالى لا يبخل عن اعطاء المستحق حقه، وهو القائل { وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ }. الاسوة الحسنة، الشيخ اليعقوبي ص 14
وهذا الطرح مختلف عما يطرحه الاخرون الذين ينتمون للمدرسة نفسها، وبطبيعة الحال هذا الاسلوب في التعاطي مع هذا السنخ من الروايات منسجم مع المنظومة القرانية التي سار عليها هذا العالم، وبهذه الطريقة فانه يفتح الافاق امام الامة للسعي نحو الكمال، لا كما يتبناه الاخرون من قتل طموح الامة في طلب الكمال بدواعي ان هذه المقامات ليس لاحد السعي باتجاهها كونها من مختصات المعصومين (ع). نعم مقامات الائمة محفوظة ولا ننكرها، لكن يجب ان لا تكون مدعاة للتقاعس والتكاسل والحرمان من المقامات السامية التي اراد الله ورسوله والائمة ان يسعى الانسان باتجاهها.

Comments (0)
Add Comment