كنت اتصفح على اليو تيوب وسمعت جزء من خطبة للدكتور عدنان ابراهيم حيث ان المقطع لا يتجاوز الدقائق البسيطة وهو يناقش رأي الشيعة في تفسير الاية المباركة ({يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً }النساء59
وقد اشكل على التفسير الشيعي لهذه الآية كون المقصود من اولي الامر امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع)، وقد تحدى العمائم الشيعية للاستدلال على عصمة الإمام علي (ع)
اختلف المفسرون في تفسير هذه الاية من السنة والشيعة وكثرت الاراء حولها، وقد تركز الخلاف في (اولي الامر) من هم؟ وهل هم طرف في التنازع الذي ذكرته الاية؟ وهل انهم معصومين؟ وغيرها من التفصيلات..وفي ما يلي نحاول ذكر اراء العلماء التي وردت في تفسير وفهم هذه الاية المباركة.
1 – ذهب جماعة من مفسري أهل السنة إلى أن المراد من ” أولي الأمر ” هم الأمراء والحكام في كل زمان ومكان ، ولم يستثن من هؤلاء أحدا ، فتكون نتيجة هذا الرأي هي : إن على المسلمين أن يطيعوا كل حكومة وسلطة مهما كان شكلها حتى إذا كانت حكومة المغول ، ودولتهم الجائرة .
2 – ذهب البعض من المفسرين – مثل صاحب تفسير المنار وصاحب تفسير في ظلال القرآن وآخرون – إلى أن المراد من ” أولي الأمر ” ممثلو كافة طبقات الأمة ، من الحكام والقادة والعلماء وأصحاب المناصب في شتى مجالات حياة الناس ، ولكن لا تجب طاعة هؤلاء بشكل مطلق وبدون قيد أو شرط ، بل هي مشروطة بأن لا تكون على خلاف الأحكام والمقررات الإسلامية .
3 – ذهبت جماعة أخرى إلى أن المراد من ” أولي الأمر ” هم القادة المعنويون والفكريون ، أي العلماء والمفكرون العدول العارفون بمحتويات الكتاب والسنة معرفة كاملة .
4 – وذهب بعض مفسري أهل السنة إلى أن المراد من هذه الكلمة هم ” الخلفاء الأربعة ” الذين شغلوا دست الخلافة بعد رسول الله خاصة ولا تشمل غيرهم ، وعلى هذا لا يكون لأولي الأمر أي وجود خارجي في الأعصر الأخرى .
5 – يفسر بعض المفسرين ” أولي الأمر ” بصحابة الرسول الأكرم ( صلى الله عليه و آله وسلم ) .
6 – هناك احتمال آخر يقول – في تفسير أولي الأمر – إن المراد منه هم القادة العسكريون المسلمون ، وأمراء الجيش والسرايا .
7 – ذهب كل مفسري الشيعة بالاتفاق إلى أن المراد من ” أولي الأمر ” هم الأئمة المعصومون ( عليهم السلام ) الذين أنيطت إليهم قيادة الأمة الإسلامية المادية والمعنوية في جميع حقول الحياة من جانب الله سبحانه والنبي الأكرم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، ولا تشمل غيرهم ، اللهم إلا الذي يتقلد منصبا من قبلهم ، ويتولى أمرا في إدارة المجتمع الإسلامي من جانبهم – فإنه يجب طاعته أيضا إذا توفرت فيه شروط معينة ، ولا تجب طاعته لكونه من أولي الأمر ، بل لكونه نائبا لأولي الأمر ووكيلا من قبلهم . الامثل ج 3 ص 290
هذه كل الاراء التفسيرية الواردة لفهم هذه الاية المباركة تقريبا سواء على مستوى الفهم السني او الشيعي، وبطبيعة الحال فان هذه الاراء فيها من نقاط القوة والضعف مما يتيح لنا اضافة بعض النقاط التي تكمل هذه الاراء. من المؤكد ان اقوى الاراء ما تبناه مفسروا الشيعة، وان اختلفوا في سعة وضيق دائرة تطبيق عنوان اولي الامر، وسنذكر بعض تفصيلات اسس هذا الرأي.
قال الشيخ الطبرسي في تفسيره جوامع الجامع : (( وأولي الأمر ) هم أمراء الحق وأئمة الهدى الذين يهدون الخلق ويقضون بالحق ، لأنه لا يعطف على الله ورسوله في وجوب الطاعة ولا يقرن بهما في ذلك إلا من هو معصوم مأمون منه القبيح أفضل ممن أمر بطاعته وأعلم ، ولا يأمرنا الله عز اسمه بالطاعة لمن يعصيه ولا بالانقياد لوال علة حاجتنا إليه موجودة فيه ( فإن تنازعتم في شئ ) أي : فإن اختلفتم في شئ من أمور دينكم ( فردوه إلى الله والرسول ) أي : ارجعوا فيه إلى الرسول في حياته وإلى من أمر بالرجوع إليه بعد وفاته في قوله : ” إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا : كتاب الله وعترتي – أهل بيتي – وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ” ، فقد صرح ( عليه السلام ) أن في التمسك بهما الأمان من الضلال ، فالرد إلى أهل بيته العترة الملازمة كتاب الله الغير المخالفة له بعد وفاته مثل الرد إليه ( صلى الله عليه وآله ) في حياته ، لأنهم الحافظون لشريعته القائمون مقامه في أمته ، فثبت أن ( أولي الأمر ) هم الأئمة ( عليهم السلام ) من آل محمد ( صلى الله عليه وآله )). تفسير جوامع الجامع للشيخ الطبرسي ج1 ص 411
هذا ما قاله اغلب علماء الشيعة، اي ان اولي الامر هم ائمة اهل البيت (ع)، وهو رأي رصين ومدعوم بروايات كثيرة وردت عن ائمة اهل البيت (ع). اما قضية التنازع وبماذا يحصل التنازع ومن الذين يتنازعون؟ وكيفية الرد الى الله والرسول (ص) فهناك اختلاف بينهم.. فقد تصور البعض او حاول ان يصور ذلك للاخرين ان هذا التنازع الذي يحصل انما يحصل بين اولي الامر وبين المؤمنين، وقد استخدمها بعضهم للاستدلال على نفي عصمة امير المؤمنين علي بن ابي طالب (ع) واهل البيت (ع)..
يقول العلامة الطباطبائي في تفسيره: (وتوجه الخطاب إلى المؤمنين كاشف عن أن المراد بالتنازع هو تنازعهم بينهم لا تنازع مفروض بينهم وبين اولي الامر ولا تنازع مفروض بين اولي الامر فإن الأول أعني التنازع بينهم وبين اولي الامر لا يلائم افتراض طاعة اولي الامر عليهم وكذا الثاني أعني التنازع بين اولي الامر فإن افتراض الطاعة لا يلائم التنازع الذي أحد طرفيه على الباطل على أنه لا يناسب كون الخطاب متوجها إلى المؤمنين في قوله فإن تنازعتم في شئ فردوه . ولفظ الشئ وإن كان يعم كل حكم وأمر من الله ورسوله وأولي الامر كائنا ما كان لكن قوله بعد ذلك فردوه إلى الله والرسول يدل على أن المفروض هو النزاع في شئ ليس لأولي الامر الاستقلال والاستبداد فيه من أوامرهم في دائرة ولايتهم كأمرهم بنفر أو حرب أو صلح أو غير ذلك إذ لا معنى لايجاب الرد إلى الله والرسول في هذه الموارد مع فرض طاعتهم فيها . فالآية تدل على وجوب الرد في نفس الاحكام الدينية التي ليس لأحد أن يحكم فيها بإنفاذ أو نسخ إلا الله ورسوله والآية كالصريح في أنه ليس لأحد أن يتصرف في حكم ديني شرعه الله ورسوله وأولوا الامر ومن دونهم في ذلك سواء ). الميزان ج4 ص 402
ويظهر من خبر بريد العجلي أن هذا التفسير كان شائعا في عصر الإمام الباقر ( عليه السلام ) أيضا ، فتصدى هو ( عليه السلام ) لرده حيث قال : ” وكيف يأمرهم الله – عزوجل – بطاعة ولاة الأمر و يرخص في منازعتهم ؟ إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم : أطيعوا الله وأطيعوا الرسول و أولي الأمر منكم . ”
وقال العلامة الطباطبائي في موضع اخر : (وأما اولوا الامر فهم كائنين من كانوا لا نصيب لهم من الوحي وإنما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم وقولهم ولذلك لما ذكر وجوب الرد والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص الله والرسول فقال فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وذلك أن المخاطبين بهذا الرد هم المؤمنون المخاطبون بقوله في صدر الآية يا أيها الذين آمنوا والتنازع تنازعهم بلا ريب ولا يجوز أن يفرض تنازعهم مع أولي الأمر مع افتراض طاعتهم بل هذا التنازع هو ما يقع بين المؤمنين أنفسهم وليس في أمر الرأي بل من حيث حكم الله في القضية المتنازع فيها بقرينة الآيات التالية الذامة لمن يرجع إلى حكم الطاغوت دون حكم الله ورسوله وهذا الحكم يجب الرجوع فيه إلى أحكام الدين المبينة المقررة في الكتاب والسنة والكتاب والسنة حجتان قاطعتان في الامر لمن يسعه فهم الحكم منهما وقول أولي الأمر في أن الكتاب والسنة يحكمان بكذا أيضا حجة قاطعة فإن الآية تقرر افتراض الطاعة من غير أي قيد أو شرط والجميع راجع بالآخرة إلى الكتاب والسنة ومن هنا يظهر أن ليس لاولى الامر هؤلاء كائنين من كانوا أن يضعوا حكما جديدا ولا أن ينسخوا حكما ثابتا في الكتاب والسنة وإلا لم يكن لوجوب ارجاع موارد التنازع إلى الكتاب والسنة والرد إلى الله والرسول معنى على ما يدل عليه قوله وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا : الأحزاب – 36 فقضاء الله هو التشريع وقضاء رسوله إما ذلك وإما الأعم وإنما الذي لهم أن يروا رأيهم في موارد نفوذ الولاية وأن يكشفوا عن حكم الله ورسوله في القضايا والموضوعات العامة) . الميزان ج4 ص 389
وأما ما قيل إن أولي الأمر هم الخلفاء الراشدون أو أمراء السرايا أو العلماء المتبعون في أقوالهم و آرائهم فيدفع ذلك كله أولا أن الآية تدل على عصمتهم ولا عصمة في هؤلاء الطبقات بلا إشكال إلا ما تعتقده طائفة من المسلمين في حق علي عليه السلام وثانيا أن كلا من الأقوال الثلاث قول من غير دليل يدل عليه . الميزان ج4 ص 399
ومحال أن يأمر الله بطاعة من لا مصداق له أو له مصداق اتفاقي في آية تتضمن أس أساس المصالح الدينية وحكما لا يستقيم بدونه حال المجتمع الاسلامي أصلا وقد عرفت أن الحاجة إلى أولي الأمر عين الحاجة إلى الرسول وهى الحاجة إلى ولاية أمر الأمة
ثمة رأي من اهل السنة يقول بعصمة اولي الامر بالشكل الاجمالي ، قال الزمخشري في الكشاف في تفسير الآية : ” والمراد بأولي الأمر منكم أمراء الحق ، لأن أمراء الجور الله ورسوله بريئان منهم ، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم ، وإنما يجمع بين الله ورسوله و الأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما . . . الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الاقاويل، الزمخشري ج1 ص 535.
هناك اية في القران الكريم تشير الى الرد وتذكر اولي الامر بعد ذكرها رسول الله (ص) {وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً }النساء83
قال العلامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى : ( ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ) لم يذكر ههنا الرد إلى الله كما ذكر في قوله ( فان تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ) ( الآية ) ( النساء : 59 ) لان الرد المذكور هناك هو رد الحكم الشرعي المتنازع فيه ، ولا صنع فيه لغير الله ورسوله . وأما الرد المذكور هيهنا فهو رد الخبر الشائع بين الناس من أمن أو خوف ، ولا معنى لرده إلى الله وكتابه ، بل الصنع فيه للرسول ولأولي الامر منهم لو رد إليهم أمكنهم أن يستنبطوه ويذكروا للرادين صحته أو سقمه ، وصدقه أو كذبه . فالمراد بالعلم التمييز تمييز الحق من الباطل ، والصدق من الكذب على حد قوله تعالى ( ليعلم الله من يخافه بالغيب ) ( المائدة : 94 ) وقوله ( وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين ) ( العنكبوت : 11 . ) والاستنباط استخراج القول من حال الابهام إلى مرحلة التمييز والمعرفة وأصله من النبط ( محركة ) وهو أول ما يخرج من ماء البئر ، وعلى هذا يمكن أن يكون الاستنباط وصفا للرسول وأولي الأمر بمعنى أنهم يحققون الامر فيحصلون على الحق والصدق وأن يكون وصفا لهؤلاء الرادين لو ردوا فإنهم يعملون حق الامر وصدقه بإنباء الرسول وأولي الأمر لهم. الميزان ج5 ص 22
هذا ما يتبناه الشيعة الامامية عموما، وهو متبنى يستند الى ركن قوي وكاف في رد كل مزاعم ومدعيات الاخرين. وهذا الطريق ليس الوحيد لاثبات عصمة اهل البيت (ع) واحقيتهم بقيادة الامة بعد رسول الله (ص) فهناك طرق اخرى لاثبات هذا الحق يطلب في محله..
وهناك رأي اخر في تفسير هذه الاية المباركة التي نبنى عليها معظم مرتكزاتنا الدينية ومنظومتنا الفكرية والاجتماعية والسياسية، هذا الرأي للعالم الاسلامي والمرجع الديني اية الله الشيخ العقوبي (دام ظله) في النجف الاشرف.