الأمّة الوسطيّة في القرآن

التاريخ: 23 جمادى الآخرة 1434 هـ الموافق: 03/05/2013 م
العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله
يقول الله تعالى في كتابه الكريم: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا} تقف في الموقع المميَّز بين سائر الأمم، من خلال الموقع القياديّ للرّسالة القائدة والدّور القائد في الدّعوة والحركة، كما كان الرّسول(ص) كذلك بالنّسبة إليهم في تبليغه وهدايته وقيادته، {لِّتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاس}، وذلك بفعل المهمّة الموكولة إليكم في حركتكم القياديّة في اتجاه النّاس، ما يستدعي المواكبة والمراقبة والمتابعة بالمستوى الّذي يؤهّلكم للشّهادة عليهم من موقع الإشراف على حركتهم في الخطّ الفكريّ والعمليّ، {وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا}، لأنّه هو الّذي صنع الأمّة في وجودكم، عندما أطلق الرّسالة لتكون عنواناً لكم، وحمّلكم مسؤوليّتها لتحدّد لكم الدّور القياديّ، ليشهد عليكم أمام اللّه كيف كانت مواقعكم ومواقفكم وأوضاعكم ودعوتكم إلى دينه.
إنّ القرآن الكريم يتحدّث عن الأمّة المسلمة بأنّها «وسط»، في ما جعله اللّه للمسلمين من موقع قياديّ في الحياة، وأنّها شاهدة على النّاس، والحديث عن الرّسول بأنّه شاهد على الأمَّة.. فكيف نفهم هذه «الوسطيّة» وهذه الشّهادة؟
جرى بعض المفسّرين في تفسير هذه الآية مجرى التّفسير اللّغويّ البحت، فأخذوا منه معنى العدل والتّوازن، على أساس ما تمثّله الشّريعة الإسلاميّة من الوسطيّة بين الاتجاه الرّوحيّ المتطرّف الّذي يمثّله النّصارى، والاتجاه المادّي المتطرف الذي يمثّله المشركون واليهود، لأنَّ الإسلام يأخذ من الروح جانباً ومن المادة جانباً، لتكون الحياة ـ كما خلقها اللّه ـ نتيجة التزاوج بين الروح والمادة، وتتمثّل في التوازن بين الاتجاه الجماعي المتطرّف الذي يلغي دور الفرد، والاتجاه الفردي المطلق الّذي يلغي دور المجتمع في الحياة، فأعطى للفرد دوره فيما يحقّق ذاته، من دون أن يغمط حقّ الجماعة في نطاق قضاياها العامّة، وأعطى للجماعة دورها فيما لا يلغي للفرد نوازعه الذاتيّة الطبيعيّة. ويمتدّ الخطّ الوسطيّ إلى التوازن بين الدنيا والآخرة؛ فللمسلم أن يُقبل على الدّنيا ويستمتع بطيّباتها من دون أن يسيء إلى خطّ الآخرة في السّير مع شريعة اللّه فيما يفعل وفيما يترك، وله أن يستغرق في الآخرة بما لا يمنعه من بناء الحياة والاندفاع معها على الأسس الّتي يريدها اللّه.. ويمضي الكثيرون في استيحاء الكلمة من خلال ما في الإسلام من توازن في مختلف جوانب الحياة، من حيث العاطفة والعقل، ومن حيث التفكير العقليّ والطّرق التجريبيّة، ومن حيث الزّمان والمكان… وهكذا.
وفي ضوء ذلك، يمكن للأمّة أن تؤدّي دور الشّهادة على النّاس، باعتبارها تقف في نقطة التّوازن الّتي ترجع إليها بقيّة الأطراف، كما يكون النبيّ شهيداً على الأمّة، لأنّه المثال الأكمل الّذي يوزن به حال الآحاد من الأمّة.
ويعلّق صاحب تفسير الميزان [السيّد محمد حسين الطباطبائي] على هذا التّفسير للآية، بأنَّ هذا المعنى «هو في نفسه معنى صحيح لا يخلو من دقّة، إلاَّ أنّه غير منطبق على لفظ الآية؛ فإنَّ كون الأمّة وسطاً إنّما يصحّح كونها مرجعاً يرجع إليه الطّرفان، وميزاناً يوزن به الجانبان، لا كونها شاهدة تشهد على الطّرفين أو تشاهد الطّرفين، فلا تناسب بين الوسطيّة بذاك المعنى والشّهادة، وهو ظاهر على أنّه لا وجه حينئذٍ للتعرّض بكون رسول اللّه شهيداً على الأمّة، إذ لا يترتّب شهادة الرّسول على الأمّة على جعل الأمّة وسطاً.
وإنّنا نتّفق مع صاحب الميزان في هذه الملاحظة، لأنَّ قضيّة التّفسير هي أن يدرس المفسِّر الكلمة من خلال الجوّ الّذي تعيش فيه، ليتحقّق التّرابط بين الآيات في كلماتها وأجوائها. ونحن نرى أنَّ هذه الآيات تتحرّك في نطاق الإيحاء للمسلمين بأصالة موقعهم في الحياة، من خلال الدّور الّذي أعدّه اللّه لهم في قيادة البشريّة إلى الأهداف الكبيرة الّتي تتمثّل بالإسلام، الأمر الّذي يجعلهم يتحرّكون في الحياة من هذا الموقع، ليكونوا شهداء على النّاس في أفكارهم وأعمالهم، باعتبار أنّهم يدخلون في ضمن مسؤوليّتهم، كما كان الرّسول شهيداً على المسلمين من خلال مسؤوليّته الرّساليّة عنهم، فيما بلّغهم إيّاه وفيما أرشدهم إليه… وفي هذا الجوّ، لا نجد للوسطيّة معنى فيما حاوله هؤلاء المفسّرون من الحديث عن التّوازن الفكريّ والتشريعيّ في المواجهة الإسلاميّة للحياة، لأنَّ القضيّة ليست قضيّة المضمون الإسلاميّ في صياغة الشخصيّة للإنسان المسلم، بل هي قضيّة الإيحاء للمسلمين بأنَّ عليهم أن لا يستسلموا للآخرين في الحصول على الثّقة بالتّشريع وبالمسار العمليّ، لأنهم لا يمثّلون التبعيّة للآخرين في مواقعهم، بل القضيّة هي أنَّ الآخرين يدخلون في نطاق مسؤوليّتهم، باعتبار أنهم يحملون الرّسالة القائدة، والدّور القائد في التّبليغ والتّنفيذ، كما كان الرّسول بالنّسبة إليهم في ما يبلّغه وفي ما يهدي إليه…
إنّنا نتصوّر الآية في هذا الموقع من خلال الأجواء العامّة الّتي وردت فيها، ما يجعل من ذكر كلمة الوسط مقدّمة لتقرير فكرة الشّهادة، ويوحي بأنَّ معناها يدخل في معنى العدل والفضل، انطلاقاً مما ذكره صاحب كتاب العين: «إنَّ الوسط من كلّ شيء أعدله وأفضله»، فكأنَّ هذه الكلمة استُعيرت للأمّة المسلمة من أجل تأكيد الثّقة في نفوسهم، على أساس ما حباهم اللّه من هداية إلى سبيله، لئلا ينهاروا أمام تضليل المضلّلين وتشكيك المشكّكين… وقد يوحي بذلك وقوع هذه الصّفة بعد الحديث عن هداية اللّه لمن يشاء إلى صراط مستقيم، للتَّدليل على أنَّ اللّه أراد لهم هذه الهداية الّتي جعلتهم في هذا الموقع… ولعلّ طبيعة الشّهادة على الآخرين أمام اللّه تقتضي أن يكون الشّاهد في الموقع الأفضل من حيث الدّور الّذي أوكل إليه، ومن حيث السّلوك الّذي سار فيه، كما هي حال الأنبياء بالنّسبة إلى أممهم. وهذا ما يؤكّد المعنى الذي ألمحنا إليه؛ وربما يؤكّد ذلك ويوضحه ما ورد في الآية الكريمة: {وَجَاهِدُوا فِي اللّه حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَـذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى النّاس فَأَقِيمُواْ الصَّلاةَ وَءَاتُواْ الزَّكَـاةَ وَاعْتَصِمُواْ باللّه هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير}[الحجّ: 78].[المصدر: تفسير من وحي القرآن].

Comments (0)
Add Comment