الخطابات العيسوية (2)

قال تعالى :
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ)
[سورة المائدة : 11]

آية اخرى من آيات الذكر الحكيم فيها خطاب آلهي مباشر موجه الى نبي الله وعبده عيسى بن مريم المقدسة … وهذه الاية تتحدث اجمالا عن جانبين مهمين في حياة النبي عيسى سلام الله عليه … وهما
1- قضية ولادته من غير أب التي اشارت اليها الاية انه ولد من أم فقط ..
2- قضية النعم والكرامات والمعجزات التي اجراها الله تعالى على يديه للناس …
ومن هنا سيكون الكلام بتدبرين قرآنيين على بركة الله تعالى :

1- التدبر الاول : وفيه فهمين بخصوص النعم التي انزلت على مريم المقدسة
1- الفهم الاول : (والحديث فيه عن قصة مريم ) فقبل النعم التي اولاها الله لعيسى علينا ان نعرف النعمة التي اولاها الله لأمه مريم المقدسة .. فالقران دقيق جدا في قوله (وعلى والدتك) فمريم المقدسة عانت ما عانت بسبب هذا الحمل , ولكن القرآن يحدثنا عن نعمة انعم الله بها عليها !!!!
وهذه النعمة لها عدة وجوه
1- الوجه الاول : ان كون مريم المقدسة أمٌ لعيسى عليه السلام , فهذا بحد ذاته يعتبر نعمة عظيمة لا يمكن وصفها ,

2- الوجه الثاني : ان الابتلاء الذي مرت به مريم لا يمكن تحمله ولا تستطيع ان اي امراءة شريفة عفيفة ان تقاوم مشاكله وتبعاته , فصبرها على هذا البلاء بحد ذاته نعمة عظيمة .

3- الوجه الثالث : من النعم التي اغدقها الله تعالى على مريم سلام الله عليها هو بأن جعلها سيدة نساء الدنيا في زمانها , وهذا يجعلها في الرتبة الثانية بعد السيدة فاطمة الزهراء سلام الله عليها … وهذا شرف عظيم ونعمة عظيمة جدا …
وربما تكون هناك جملة من النعم على مريم ونحن لم نذكرها… ونعم الله لا تعد ولا تحصى …

2- الفهم الثاني : (فهم آخر لمعنى النعم على مريم) … لو دققنا في الاية المباركة سنجد ان الله تعالى ذكر النعم على عدة انحاء , فكل نحو من هذه الانحاء يكون بعد كلمة (أذ) والظاهر ان مريم تشترك مع ابنها عيسى عليهما السلام في كل هذه النعم وذلك في قوله تعالى ((إذ ايدتك بروح القدس , تكلم الناس في المهد وكهلا)) فهذه اولى النعم التي يذكرها القران الكريم والتي يشترك فيها عيسى مع امه مريم فيها ثم بعد ذلك يبدأ ذكر تلك النعم تباعا …

3- التدبر الثاني : ذكر القران الكريم في هذه الايات مجموعة من النعم التي انعم الله بها على عيسى بن مريم ولا بأس بأن نتعرض الى مداليلها وفق تسلسها الذي ذكرت به :

1- التأييد بروح القدس : وهو الروح الذي يحل في الانبياء ويحقق فيهم ملكة العصمة الذاتية , على اعتبار ان النبي لابد ان يكون معصوما لكي يكون مثالاً وقدوةً للاخرين …
2- الكلام في المهد وكهلا : الظاهر ان هذه النعمة متفرعة وشارحة للنعمة التي قبلها , بدليل انه لم يسبقها حرف عطف , بل اتت بصورة مباشرة بعد التي قبلها .. وهي بهذا تكون حاكية عن مقام التأييد بروح القدس الذي مقام العصمة , وليست النعمة لمجرد كلامه في المهد , بدليل انه ذكر معه الكهولة , ولا خصوصية للكلام في عمر الكهولة , فيكون المراد هو موضوع العصمة .. بمعنى انك معصوم ومؤيد بروح القدس سواء كنت في المهد او كنت كهلا …

3- تعليم الكتاب , والحكمة , والتوراة , والانجيل : وهذه نعمة اخرى تحكي عن مراتب العلم الذي يناله الانبياء , حيث تبدأ دائرة المعارف من اوسع ابوابها وتبدأ بالتضييق شيئا فشيئا … فالظاهر ان الكتاب هو الكتاب الوجودي الاجمالي للمعارف وهو الذي ينتهل منه كل بني البشر .. ثم اختص الله عيسى بأن اتاه قمة ذلك الكتاب وسنامه وهو (الحكمة) … ثم اختار له من الحكمة الالهية .. النواميس والمعارف التي انزلت لبني اسرائيل عموما في (التوراة) .. ثم اصطفاه الله واعطاه ما يختص بنبوته التي تمتاز ببعض المعارف والسلوكيات التي اختص بها نبي الله عيسى دون غيره من الانبياء وذلك من خلال (الانجيل)
4- النفخ في الطين فيصبح طيرا : من الكرامات والنعم التي خص الله بها نبيه عيسى عليه السلام هي النفخ في الطين وجعله على شكل طير فيكون طيرا بأذن الله … وهذه الخصوصية للنبي عيسى لم تأتي من فراغ وانما اتت من حالة الانسجام بين حقيقة عيسى وحقيقة هذه النعمة .. فكلاهما اتيا عن طريق النفخ , فلعل الله اختص عيسى بهذه القابلية على اعتبار انه اقرب الانبياء لهذه الظاهرة الاعجازية العظيمة وهو الاولى في تطبيقها واجراءها على الناس ..

5- ابراء الاكمه والابرص : الاكمه هو الاعمى او الذي يكون منذ ولادته اعمى , والابرص هو المصاب بداء البرص وهو مرض جلدي يكون على شكل بقع بيضاء …
والظاهر ان بني اسرائيل كانوا يصابون بهذه الامراض , ولهذا جعل الله شفاءهم على يدي عبده عيسى لكي لا يكون للناس حجة وتكون الحجة لله تعالى …

6 – اخراج الموتى واحياءهم : وهي ايضا من النعم العظيمة التي اولاها الله تبارك لعبده عيسى بن مريم سلام الله عليها , ولعل هذه من المعاجز التي تحير العقول وتطيش لها القلوب !!!! فقضية ارجاع الميت الى الحياة بحسب قوانين الطب امرٌ مستحيل .. ولكن بحسب العقيدة الالهية الحقة لا يوجد محال في الامكان فكل شيء ممكن الوقوع , طالما ان الله تعالى يريد ذلك الشيء بالارادة التكوينية …

7- كفاف بنو اسرائيل : فمن الامور التي يمكن ملاحظتها في حياة عيسى ظاهرا , هو انه كان يعاني ويعاني من بني اسرائيل وغطرستهم وجبروتهم … ولكن القران يتحدث عن كفاف الله له عنهم .. وهذا يدل على ان الله تعالى قد كفاه شرهم في موارد اخرى غير التي كانت ظاهرة , ولعل اهمها هو ان جعل له حواريون يؤنسونه ويسدون وحدته وحشته ويؤمنون به وبقضيته وكان دائما يختلي بهم وكانوا هم سفراءه ورسله الى اصقاع الارض يعلمون تعاليمه الى الناس ….

والله العالم بحقائق الامور استغفره واسأله التوبة والرحمة وصلى الله على محمد وآل محمد ..

ملاحظة // يجب الالتفات الى ان البحث عبارة عن رؤوس اقلام فقط لتثبيت مجرى الحوار , والسبب هو ان البحوث المطولة مملة للقاريء الكريم , وبنفس الوقت لا يمكن تسطيح هذه البحوث القيمة وانزالها للمستوى الهابط علميا , لذلك احاول قدر الامكان ان اضع رؤوس اقلام للبحث فقط , واما التوسعة والتعمق فأتركه على تعليقاتكم المباركة فيما لو فتحت ابواب النقاش … وجزاكم الله خير جزاء المحسنين .

#تأملات
#مفدي_علي_المظفر
24/11/2014

Comments (0)
Add Comment