الخطابات العيسوية(1)

قال تعالى :
(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ۖ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) [سورة آل عمران : 55]

بعد ان انتهينا من الخطابات الالهية المباشرة لنبي الله موسى عليه السلام .. ننتقل للخطابات التي وجهها الله تبارك وتعالى لنبيه عيسى عليه وعلى نبينا افضل الصلوات والتسليم … وفي الحقيقة وبحسب علمي ان هناك ثلاث خطابات مباشرة للنبي عيسى في القران الكريم , ومن ضمنها هذا الخطاب الذي يتضمن نقاط مهمة تجدر الاشارة اليها والاهتمام بها ضمن هذه التدبرات ومن الله التوفيق …

1- التدبر الاول : (ما هي حقيقة وفاة عيسى عليه السلام)؟؟؟
يؤكد القران الكريم في مواقف متعددة وكذلك الروايات الشريفة تؤكد على ان عيسى بن مريم سلام الله عليه لم يمت الموت الاعتيادي …. بل ان الله جعل في موته معجزة وهذه المعجزة هي ان الله تعالى قد توفاه دون ان يميته !!!!!
وهذه حالة غريبة واعجازية ليس لها سابقة , فالسنن والقوانين الجارية في الكون هو ان كل شيء يأتي اجله ويموت … والذي نفهمه هو ان الوفاة اما ان تكون حالة مصاحبة للموت كما في قوله تعالى (الله يتوفى الانفس حين موتها) … او ان الوفاة تكون حالة لاحقة تأتي بعد الموت كما في قوله تعالى (ولو ترى اذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم ) .. وهذا فيه اشارة الى ان الوفاة تحدث بعد الموت مباشرة على اعتبار ان الوفاة مشتقة من الايفاء او الاستيفاء اي ان الانسان بعد الموت استوفى كل شيء …
وعلى كلا القولين سواء كانت الوفاة مع الموت او بعده فأن عيسى عليه السلام لم تحدث وفاته حين موته ولا بعد موته … وانما حدثت وفاته قبل موته !!!!!!
ويمكن ايضاح هذا الامر من وجوه …
1- الوجه الاول : ان يكون هذا الرفع الذي حصل لعيسى حين توفاه ربه هو رفع معنوي كما تحدث القران عن ادريس عليه السلام بقوله (ورفعناه مكانا عليا) .. وهذا الوجه بعيد جدا في قضية نبي الله عيسى , فالوقائع والاحداث تتحدث عن رفعه بجملته وتفاصيله وليس رفع مقاماته فقط , ثم ان الخطاب الموجه لعيسى غير الموجه لأدريس , فالخطاب الموجه لأدريس يتحدث عن مكانته ومقاماته , واما الخطاب مع عيسى فكان يتحدث عن عملية انقاذ نوعية … اي ان الله يريد ان يخلصه من يهود بني اسرائيل الذين تآمروا على قتله سلام الله عليه … وهذا امر طبيعي جدا كان عند اليهود فقد عرفوا بكثرة قتلهم للانبياء والمرسلين حتى ورد ما مضمونه انك ترى في كل زقاق نبي يركض وخلفه جماعة تريد قتله !!!!!

2- الوجه الثاني : ان يقال ان هذا الرفع حدث حقيقة للنبي عيسى اي ان الله تعالى رفعه بجملته الى السماء اي انه ارتفع بجسده وروحه ومقاماته .. وهذا الامر متوقع حصوله لأنه حدث مع النبي محمد (ص) في الاسراء والمعراج حيث انه صعد بروحه وبدنه الى السماء حتى بلغ سدرة المنتهى …
ولكن هذا الوجه لا يخلو من اشكال … اذ ان رفع عيسى عليه السلام لم يكن مثل صعود النبي الاعظم محمد (ص) … لأن النبي كان صعوده صعودا مرحليا وليس دائميا , ثم ان صعود النبي الخاتم محمد (ص) كان صعودا لغرض التعلم وارتفاع المقامات والرجوع للدنيا , واما عيسى فقد كان صعوده صعودا موتيا لوصح التعبير … اي ان الله يريد ان يتوفاه فأصعده .. لا انه يريد ان يعلمه او يرفع من مقاماته ….

3- الوجه الثالث : وهو الوجه الذي اكدته بعض الروايات في تفسير هذه الاية .. حيث ورد ان الله تعالى رفعه ثم توفاه ما بين السماء والارض , ثم اعاد له روحه في السماء …
وهذا الوجه محتمل جدا .. لأنه يجمع كل الاحتمالات فهو من جهة قد حقق غرض الارتفاع الى السماء ومن جهة حقق قضية الموت والوفاة التي لابد ان تحدث له , ومن جهة ثالثة لا تنافي ارتفاع مقامات عيسى صلوات الله وسلامه عليه …
والنتيجة // بحسب الوجه الثالث تحقق الغرض من ان عيسى قد تم انقاذه ببدنه وروحه , كما انه قد تحقق موته ووفاته ثم اعيدت اليه روحه .. لكي ينزله الله تبارك وتعالى للدنيا لاكمال مهمته التي يجب ان ينجزها في اخر الزمان مع امامه المهدي عجل الله تعالى فرجه …

2- التدبر الثاني : (في بيان حقيقة الصعود الى السماء)
بعد ان تطورت العلوم الحسية والتجريبية وخمد اوار الفلسفة القديمة بكثرة الاكتشافات العلمية ,, ربما تنقدح في الذهن تساؤلات علمية كثيرة … ويمكن تلخيصها اجمالا بأشكالين وسنحاول الرد عليهما بأذن الله تعالى …

1- الاشكال الاول : هو كيف يصل البدن المادي الى المقامات المعنوية الرفيعة كسدرة المنتهى ؟؟؟!!!!

2- الاشكال الثاني : كيف اخترق الجسد المادي هذه الامور المادية الهائلة مثل التخلص من الجاذبية ؟! اختراق الحجاب الجوي الحارق ؟! الحرارة والضغط الهائل بالفضاء ؟! مشكلة انعدام الوزن ؟! وغيرها الكثير من التساؤلات التي لابد من الاجابة عليها ….
ونقول بعد التوكل على الله :

1- جواب الاشكال الاول : هو اننا يجب ان ننظر من هو الذي ارتفع من الارض الى السماء ؟! فهذه الحادثة حدثت فقط مع النبي عيسى ومع النبي محمد صلوات الله وسلامه عليهما .. وهم من اعاظم انبياء الله تعالى وهم معصومون … ونحن نعلم ان للمعصومين خصائص جسدية خاصة بحيث ان ارواحهم ومقاماتهم المعنوية لم تنسجم الا مع هذه الابدان التي كانت تستحق ان تكون وعاءا لتلك المعنويات والارواح المقدسة … لذا يمكن القول ان لأبدانهم الناسوتية القدرة على التأقلم والتطبع مع الحقائق الملكوتية .. وهذه من مختصاتهم هم سلام الله عليه … نحن البشر الاعتياديون لا نتنعم بالعوالم المعنوية الا بعد ان نفارق ابداننا الناسوتية المظلمة والا بعد ان يحصل عندنا الخلع او خروج الروح من المادة … او تحصل لنا هذه الظواهر اثناء النوم عندما نغادر اجسادنا المادية … ام الانبياء والمعصومون فابدانهم نورانية لا ظلمة فيها فهي تتأقلم مع المعنويات كما تتأقلم مع الماديات .. فتأملوا يرحمكم الله ..

2- جواب الاشكال الثاني : وهو ان المعصومون من الانبياء والائمة سلام الله عليهم لديهم الولاية التكوينية لهذا الكون المادي … فكل شيء من الذرة الى المجرة خاضع لولاية الله تعالى بالاول وبالذات , وخاضع لولاية المعصوم بالتبعية والعرض …
فولايتهم الكونية يمكن ان تجعلهم في مأمن من الكوارث الكونية التي يتعرض لها الانسان الاعتيادي … فالفضاء الخارجي وما يحويه من احجار وغازات وانفجارات وضغوطات حرارية وغيرها , كل ذلك يتحرك وفق ارادة المعصوم عليه السلام … ونحن سمعنا بخوارق كثيرة قام بها الانبياء من قبيل المشي فوق الماء وفي الهواء وعدم الاحتراق بالنار وفلق البحر وتحويل العصى افعى واحياء الموتى وغيرها الكثير …
نعم هذا الاشكال الذي يطرحه العلم التجريبي الحديث يصدق فيما لو كان المرفوع الى السماء انسان عادي وليس رجل عظيم كالنبي عيسى او النبي محمد صلوات الله وسلامه عليهما …
لذا يثبت انهما قادران على الصعود الى السماء بأبدانهما وارواحهما المقدستين ولا مشكلة في كل ذلك , بل على المعترض ان يثبت حجته في عدم امكانية صعود الانبياء الى السماء ؟؟!!!!

3- التأمل الثالث : في قوله تعالى (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) … وهنا قد يطرح تساؤل مهم جدا .. وهو : من هم الذين اتبعوا عيسى عليه السلام ؟؟؟؟
هل هم النصارى الذين جعلوه ثالث ثلاثة ؟؟!!!! والذي قالوا عنه انه ابن الله !!!! والذين يعتقدون فيه بكتبهم بعقائد ما انزل الله بها من سلطان ؟؟!!!!
والجواب هو بلا شك .. ان الذين يؤمنون ان عيسى ابن الله وانه ثالث ثلاثة فهؤلاء هم الكافرون وليسوا هم اتباع عيسى عليه السلام وهذا ما اكده القران الكريم بقوله تعالى :
(لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ۖ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ۖ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ۖ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ)(سورة المائدة72)
وكذلك قوله في الاية التي بعدها (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ ۘ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) [سورة المائدة : 73]
فالقران يعبر عن هؤلاء بأنهم كافرون وهم المقصودون في قوله (وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا) وها نحن قد عرفنا الذين كفروا وهم الذين يعتبرونه ابن الله وثالث ثلاثة … اذن من هم الذي اتبعوه حقا ؟؟؟!!!!
والجواب هو من القران نفسه حيث يقول تعالى :
(الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ۚ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ ۙ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)
[سورة اﻷعراف : 157] …
اذن ان الاتباع الحقيقيون لعيسى عليه السلام هم الذين اتبعوا خاتم الانبياء والمرسلين وهو النبي الاعظم محمد (ص) والذين التزموا بوصية عيسى عليه السلام حيث اوصاهم بالنبي الذي سيأتي من بعده وذلك في قوله تعالى :
(وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ ۖ فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَٰذَا سِحْرٌ مُبِينٌ)[سورة الصف : 6]
نعم هذه هي الحقيقة , والتي يجب ان يعرفوها جيدا وهم يعلمون بها ويعرفونها ولكنهم كما قال تعالى (جحدوا بها واستيقنتها انفسهم ) …
فنحن المسلمون المؤمنون نحن اتباع عيسى الحقيقيون . الذين التزمنا بوصيته , نحن الذين نعتقد ان عيسى كان نبيا مثل باقي الانبياء انعم الله عليه ببعض الخصائص كما انعم على غيره من الانبياء بخصائص لم يكن يمتلكها هو , لذا فلا داعي لجعله آلها وربا يعبد من دون الله تبارك وتعالى كما فعلت ذلك النصارى !!!! وهو بنفسه يعتبر نفسه عبدا من عبيد الله تعالى …
والله ولي التوفق
وآخر دعوانا ان الحمدلله رب العالمين وصلى الله على اشرف الخلق اجمعين محمد وآله الطيبين الطاهرين

#تأملات
#مفدي_علي_المظفر
15/11/2014

Comments (0)
Add Comment