إن صناعة أي منظمة أو حركة تحتاج إلى الكثير من الجهد والتفكير و زمن قد يستغرق عقودا حتى يستوي بنيانها ويصبح لها وجودا واستقراء للبيئة التي يمكن أن تنشأ فيها وتوفير الحاضنة لها ورصد الأموال التي يمكن من خلالها استقطاب الشباب إليها وتوفير المنظرين والدعاة لها قبل كل ذلك حتى تصبح حركة لها مريدوها وتفصح عنها أدبياتها وحضورها في المحافل المحلية أو الإقليمية أو تعلن عن أعمالها التي تتبناها في الأعلام بكافة مستوياته وتنوعاته ولكن سرعان ما ظهرت داعش بهذه الكيفية وبأعداد من مختلف الجنسيات من شذاذ البشر حتى من دول لم يعرف لها وجودا بل بعض منها ماهو تحت الاحتلال والآخر يعاني من شظف العيش والآخر يعيش في دول روجت عن نفسها دعاة للحرية حتى فاقت أعداد الإرهابيين في داعش أعداد الإرهابيين من القاعدة وغيرها من المنظمات الإرهابية في العالم مجتمعة. وهنا يبدو التساؤل كيف اجتمع هؤلاء من مختلف أصقاع الأرض ؟ وكيف ذللت لهم العقبات بالوصول إلى سوريا ؟ وفي أي معسكرات تدربوا وأين ؟ و ومن قام بتوفير المعدات القتالية واللوجستية لهم ؟ وكيف تم إدخالها لهم وكأن الحدود ألغيت والمخابرات الدولية والجيوش وحرس الحدود حلت ؟
ويتبن لنا من معطيات الوقائع والسياسة التي اتبعها والأهداف التي تبناها هذا التنظيم :
أولا : بأنه يمثل أجندات غربية يخوض معاركه في منطقة الشرق الأوسط استكمالا لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي تبنته الولايات المتحدة من خلال أنشاء تحالفات دولية غربية بقيادتها لنشر الديمقراطية وإسقاط حكم الأنظمة الشمولية وقد وصفاتها بدول محور الشر وتحققت الصفحة الأولى من إسقاط تلك الأنظمة في العراق وليبيا ومصر واليمن ولكنها لم تنجح في سوريا إلا أنها لم تبق منها سوى أسمها فانهارت البنى التحتية للدولة وللإنسان فيها وأصبحت مرتعا للقتلة والإرهابيين وأهلها مشردين في البلدان المجاورة .
ثانيا : تعمل الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة على خلق عدو وهمي يمثل خطرا بالنسبة للغرب ومهددا لأمنها واستقرارها فتعمل جاهدة لخلق الدعايات المضادة التي تروج إلى الخطر القادم من جهة مستفيدة من عامل الزمان والمكان فكان الخطر بالنسبة للغرب كما تروج له أمريكا خطر اقتصادي وفكري متمثلا بالحقبة الماركسية والشيوعية لكي تحافظ على وحدتها ووحدة دول حلف الناتو المنضوية وغير المنضوية فيه أمام هذا العدو الذي يقرع ناقوس الخطر على الأبواب وما أن انتهت الحرب الباردة وفقدان الإتحاد السوفيتي كل حلفائه في منظومة حلف وارسو وتفكك الإتحاد إلى جمهوريات مستقلة وخسارة الحزب الشيوعي لمواقع السلطة في الاتحاد السوفيتي وشرق أوربا وتوقيع معاهدات الحد من التسليح التقليدي والنووي والعابر للقارات حتى أعلن عن انتهاء الحرب الباردة لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع في دول الشرق الأوسط المسلمة .
ثالثا : ومن أهداف مشروع الشرق الأوسط هو العمل على تشظي دول المنطقة من خلال تغذية الصراعات الدينية في مصر والسودان والأثنية والعرقية والمذهبية والفكرية في العراق وسوريا ولبنان وتفتيتها إلى دويلات صغيرة قائمة على تلك الأسس تتنازع فيما بينها منشغلة بالصراعات المتراكمة من حقب مختلفة نتيجة تعاقب انظمة الأستبداد في تلك الدول والتي وصلت إلى الحكم بالقهر وسطوة البندقية وتخطيط المخابرات الغربية والشرقية ودعمها لهم التي أعادت رسم المنطقة على أساس قومي .
رابعا : الحفاظ على أمن الكيان الصهيوني والقبول بها دولة يهودية تعيش جنبا إلى جنب الدول التي يعاد رسمها على أسس دينية ومذهبية في منطقة الشرق الأوسط وبذلك تهيئ الأرضية للقبول بها وقد مهد لهذه المهمة رئيس وزراء الكيان الصهيوني نتنياهو بأنه طرح شرط القبول بوقف بناء المستوطنات في أراضي عام 1967 م القبول بيهودية إسرائيل .
خامسا : إن معظم قادة داعش هم ممن كانوا في المعتقلات الأمريكية في العراق وأفغانستان وقد أطلقت قوات الاحتلال سراحهم دون أعلام الحكومة العراقية أو الأفغانية بذلك أو في المعتقلات السرية التي كانت تحت إدارة المخابرات الأمريكية في أوربا أو دول العالم الثالث وتلقوا تدريبات في المناطق القبلية في باكستان والوعرة في أفغانستان .
سادسا : يمر العالم الغربي بأزمة اقتصادية وضائقة مالية كبيرة دفعت أمريكا وأوربا إلى تسريح عدد كبير من العمال من وظائفهم وازدياد نسبة البطالة في دولهم وعدم استطاعة تلك الدول بتوفير فرص عمل جديدة لاستيعاب العاطلين عن العمل من رعاياهم أو اللاجئين إليهم من دول العالم الثالث وقيام بعض دول أوربا باعتماد سياسة التقشف في النفقات مثل اليونان وايطاليا واسبانيا وقبرص إلا أنها جوبهت بتظاهرات واحتجاجات عنيفة من السلطات في هذه الدول وخفض الميزانية العسكرية والمساعدات العسكرية للدول التي تتعهد أمريكا لها ضمن صفقات دوليه مثل مصر وإسرائيل والأردن ولكي تتخلص هذه الدول الغربية بقيادة أمريكا من هذه الأزمة الاقتصادية القيام بعمليات عسكرية ذات توجهات متعددة منها نشر الديمقراطية وإشاعة حقوق الإنسان ومحاربة الأفكار والمنظمات المتطرفة الإرهابية من خلال تعبئة الجيوش وعسكرة المنطقة وتمويل هذه الحروب بأموال خليجية لغرض تنشيط وإدامة الاقتصاد الغربي وتحريك عجلته العسكرية والمدنية مما يخلق فرص عمل كثيرة وتوفير سيولة نقدية وقد صرح الرئيس الأمريكي قبل أيام أن الحرب على داعش قد تستمر ثلاثة أعوام على الأقل وتحتاج الى خمسمائة مليار دولار وسوف يقوم بتمويلها دول الخليج .
_ د . عبد الأمير الساعدي