فيدرالية بايدن.. تقسيم

كثيرون من الاميركيين، بما فيهم المعنيون بالملف العراقي يتحدثون عن العراق بكلام نظري لا يدل على أنهم على اطلاع بواقع الساحة العراقية وحقيقة ما يجري عليها. لا أتحدث هنا عن “خبراء” لا يعرفون عن العراق شيئاً سوى ما يسمعونه من طرف عراقي واحد، أو آخرين يزورون العراق لأيام معدودة يظلون فيها محدودي الحركة واللقاءات ليعودوا بعدها “خبراء” في الشأن العراقي، إنما أتحدث هنا عن شخصيات معنية مباشرة، بل مكلفة بالملف العراقي على أعلى المستويات مثل نائب الرئيس الاميركي جو بايدن.
عندما كان بايدن خارج الادارة الاميركية، في عهد الرئيس السابق جورج بوش الابن، طرح مشروعه لـ”حل المشكلة العراقية”. كان ذلك سنة 2007 إذ كانت الحرب الطائفية في ذروتها. آنذاك طرح مشروعه لتقسيم العراق الى ثلاثة أقاليم فيدرالية مع إعطاء كركوك وضعا خاصا. استند في ذلك الى تقارير ودراسات بريطانية تقول بأن لا حل لقضية كركوك سوى بوضع خاص لها. اليوم يعيد بايدن طرح مشروعه ولكن بإغفال موضوع كركوك، الامر الذي يثير تساؤلات عما إذا كان هناك تغيير في موقفه منها.
وإذا كان موقف بايدن من كركوك قد شهد تراجعا عن موضوع الحل الخاص لكركوك، باعتباره الآن في السلطة، مقتربا من الواقع أكثر مما كان عليه حينما كان خارج السلطة، فإن أساس مشروعه لم يشهد تغييرا بل لا يزال، في مقاله الذي نشرته الواشنطن بوست مؤخرا، مصرا على ان الحل في العراق يكمن في الفيدرالية ذات الاقاليم الثلاثة، حسب الهوية الإثنية أو الطائفية، فهل ان مشروعه يملك على أرض الواقع ما يدعم صحته وإمكانية تنفيذه؟.
في العام 2007، لقي مشروع بايدن مواقف عراقية متناقضة. الجسم السياسي السنيّ واجه المشروع بمواقف شتى تراوحت بين التشكيك والاتهام بالتآمر على وحدة العراقي فيما رحبت به المجموعة الكردية باعتبار المشروع سيخرج إقليم كردستان من حالة التميّز المثير للاعتراضات، خصوصا وان مفهوم الفيدرالية كان لا يزال يثير الكثير من الحساسية آنذاك. أما المجموعة الشيعية فكانت منقسمة بين مؤيد للمشروع باعتباره يوفر الغطاء لمشروع فيدرالية الجنوب، وبين رافض له ومشكك بنواياه.

اليوم تغيّرت الظروف والقناعات، أو “جرى تغييرها” بظروف على الارض، فالمجوعة السنية باتت في جانب كبير منها تقبل بالفيدرالية باعتبارها طريقا الى “الاقليم السني”، فيما الجانب الشيعي ينقسم بين طاقم سياسي يتظاهر برفض الفيدرالية وشارع يدعو الى ما هو أبعد منها، فهل ان تطبيق نصائح بايدن بات ممكناً؟.
الجواب يحتاج الى نظرة واقعية لما هو موجود على الارض، فلا يكفي الاعتماد على نظريات سياسية مجردة من تفاصيل الواقع الناتجة عن تطبيقات سابقة. أعني هنا تحديدا نموذج الفيدرالية في كردستان وتطبيقاته العملية التي تجاوزت حدود الفيدرالية الى ما هو حتى أبعد من الاستقلال. عمليا يتصرف الاقليم باستقلالية شديدة في قراراته وتعاملاته، رافضا الالتزام بكثير من المهام الاتحادية مثل عائدية سلطة الحدود المالية والامنية، وعمل المؤسسات الاتحادية مثل ديوان الرقابة المالية وهيئة الاعلام والاتصالات وغيرها كثير. لو أردنا تطبيق النظام الفيدرالي على العراق كله فهل سيقبل أي إقليم جديد بأقل مما يتمتع إقليم كردستان؟ لو حدث ذلك فماذا سيكون مصير العراق؟.. بالتاكيد التقسيم ولا شيء غير ذلك، فهل يغفل بايدن هذا الامر أم انه يريد الوصول الى هذه النتيجة ولكن بغلاف الفيدرالي.

سالم مشكور
إعلامي ومحلل سياسي

Comments (0)
Add Comment