الحب ليس من المدركات الحسية كالجبل والأسد والملوحة والنعومة وأمثالها.
وليس له صورة تخيلية، ولا افتراض عقلي.
والناس تعرف الحب رغم كل ذلك، ولكنها لا تستطيع تصوره أو استحضاره واستذكاره والتعبير عنه إلا بلوازمه.
فما هو الحب؟
هل هو شيء أصيل وجوهر قائم بذاته؟ أو تفريع من شيء وجودي آخر؟
أم هو لازم وناتج من شيء آخر؟
وهل هو نفس الجاذبية النفسية أم أن الجاذبية ناتجة منه؟
والحب شيء عجيب، وأعجب ما فيه أن الإنسان قد يضحي بذاته من أجل محبوبه، وأجمل لقطات الأفلام السينمائية حين يصورون رجلاً يضحي من أجل محبوبه بذاته، فيتغلب الحب على الرغبة في البقاء، وهذا المشهد المتكرر في السينما مأخوذ من التجارب البشرية الحقيقية وليس هو من اختراع السينما فالتأثير الناتج إنما هو تأثير لتجلي شيء عظيم هو الحب.
وإذا تركنا محاولة التعبير عن الحب ورسم صورته وترجمة معناه إلى ما يشبه الكلمات والتعابير اللفظية المتداولة في أذهاننا فيمكننا –إذا أردنا معرفة حقيقة الحب- أن ندرس المحتوى النفسي للإنسان الذي يُقدم على التضحية من أجل محبوبه، ما الذي يشعر به، ولماذا يتصرف بهذه الطريقة، مع أنه لن يرى محبوبه بالحسابات الدنيوية؟ وكيف يتغلب الحب على الوساوس الأخرى مثل اللذائذ والرغبة بطول العمر وأمثالها.
إن الحب بحسب تحليلي هو شعورك أن المحبوب أولى منك بالوجود فتضحي بوجودك من أجله فالمحبوب هو الموجود والحب هو جاذبيته، وفي لحظات الصدق والتخلص من علائق الدنيا تكون عملية التضحية سلسة جداً وينسجم الإنسان معها، لأنه في الأساس لا يحس بوجود نفسه فهو يبحث عن الوجود منذ بداية نشأته ويشعر بالقلق منذ ولادته ويستعجل لتثبيت نفسه والوصول والاطمئنان بشاطئ الوجود [إن الإنسان خلق هلوعاً] [وكان الإنسان عجولاً].
فمن الناس من يداوي فراغه وعدم إحساسه بالوجود باللذائذ والشهوات لأنها أحاسيس قوية تدخل إلى جسده فيريد بها أن يحس بالوجود حوله لأن حالة الفراغ والفقر تعتبر مقلقة له لا سيما عند من لا يعرفون الله ولا يتوجهون اليه، فهم في هاوية كبيرة لا يملأها شيء. وفي الثقافة المادية المعاصرة يعتبرون الشهوة الجنسية هي الحب، وليس بذلك فإنه هبوط وتعلق بالذات لا يدعو إلى التضحية من أجل المحبوب.
ومن الناس من يتعلق بمحبوب افتراضي تعرف عليه في المستوى الهابط منه، مع أن قلبه يبحث عن محبوب حقيقي، فتتحول الرغبة الفطرية في الانتقال إلى وجود المحبوب أو التضحية من أجله إلى هذا المصداق الخاطئ الهابط ويضفي عليه كل لوازم الحب للمحبوب الحقيقي فتحصل حالات الحب بين الجنسين، قد تختلط بالحب من النوع السابق، وفي الحديث الشريف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في وصف الحب قال: (قلوب فرغت من حب الله فأذاقها محبة غيره).
ومن الناس من يتعلق بالأهل والأولاد فيضحي من أجلهم براحته ووقته وعمره وهو يلتذ بوجودهم بعده ويراهم امتداداً له بعد موته.
ومن الناس من يحب الله تعالى ويعلم أنه أولى به من نفسه.
ولكن لما كان الله تعالى لا ماهية لها، صعب على كثير من الناس تصوره وتمثله بصورة أو مثال ذهني بل امتنع ذلك سبحانه وتعالى، فيصعب لأجل ذلك على كثير من الناس استذكار المحبوب لا سيما مع الاشتغال بالدنيا، فجعل الله سبحانه أولياء له في أرضه ليحبهم الناس وتكون محبتهم محبة الله تعالى، وطهرهم عز وجل عن كل ما ينفر من محبتهم وما ليس له، وجعلهم أولى بالناس من أنفسهم [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم].
فالحب هو الذي يخرج الإنسان من الأنا والأنانية التي أقنعه الشيطان بها ذلك المخلوق المتوجه إلى ذاته [أنا خير منه] وأهبط الإنسان إلى وهم الأنانية بسببه وأنساه الشيطان ذكر الله الذي من أعرض عنه فإن له معيشة ضنكاً في سجن الجسد، وذلك الذكر الذي تطمئن به القلوب وتستحق الجنة لأجله.
فالحب هو الولاية بمعنى أن يكون الله أولى بك من نفسك وكل ما هو منسوب إلى الله تعالى أولى مما هو منسوب إلى نفسك وأنانيتك.