وضع التحالف الكردستاني في موقف محرج عندما تسلم تمريرة ذكية من قيادة الاتحاد الوطني الكردستاني ليسجلوا هدفا ذهبيا لصالح الدكتور برهم صالح او منافسه الدكتور فؤاد معصوم في مباراة مارثونية على ملعب فندق الرشيد ببغداد. كانت توقعات الجماهير الكردية بان الكرة ستهز شباك الدكتور معصوم لصالح الدكتور برهم. فظن معظم السياسيين بان الامر محسوم لصالح الدكتور برهم . لم لا وهو الاكفأ ومدعوم من قبل اكبر كتلة كردية برلمانية (كتلة الحزب الديمقراطي الكردستاني برئاسة السيد مسعود البارزاني رئيس اقليم كردستان) وكان منافسه الاقوى الدكتور نجم الدين قد اقصي من قبل رفاقه في المكتب السياسي، فلم يبق امامه سوى الاطاحة بمنافس لم يحصل في انتخابات عام 2010 على اصوات كافية لمنصب عضو برلمان وهو الان هرم وعليل وغائب عن الساحة، فكيف لن يفوز !! لكن توقعات الشارع الكردي وآمال الدكتور برهم ذهبت ادراج الريح عندما ظهرت على شاشة التلفاز هذا الخبر (عاجل تم انتخاب فؤاد معصوم كالمرشح الوحيد للتحالف الكردستاني.. )و جاءت نتيجة الاقتراع السري لمندوبي التحالف الكردستاني كالآتي : فؤاد معصوم 30 صوت مقابل 23 صوت برهم صالح.
وفي اليوم التالي مباشرة تم انتخاب السيد فؤاد معصوم لرئاسة الجمهورية بعد ان حاز على اغلبية الاصوات من قبل البرلمان العراقي (211 صوت من مجموع 255) .فاشتعلت شبكات التواصل الاجتماعي بتعليقات ساخنة بين انصار كل من فؤاد معصوم وبرهم صالح. وغدت اتهامات التسقيط تغزو الشارع الكردي .ولكن هذه الحمى ستزول بمرور الايام فالجماهير تمتلك ذاكرة قصيرة والاحداث الساخنة في العراق الملتهب تتوالى يوما بعد اخر فحادثة الامس تبتلعها حادثة اليوم كما ابتلعت الحوت نبينا يونس عليه السلام. و هذا لا يعني بان تداعيات انتخاب معصوم واقصاء برهم ستختفي في الامد القريب. فالانظار متوجهة الان الى الدكتور برهم ومعسكره تتربص بحذر الخطوة التالية لهم. ليس هذا فحسب بل ان مجموعة السيدة هيرو (عقيلة مام جلال وعضو المكتب السياسي ) هي الاخرى تتحين الفرص لتجهز على اللذين تمردوا عليها وعلى المؤسسة الحزبية التي تعتبر السيدة هيرو نفسها الوريث الشرعي لاستلام صولجان القيادة من رفيق عمرها مام جلال. ومن بين الذين اصبحوا عرضة للمحاسبة وربما الاقصاء هم السيد ملا بختيار والسيد كوسرت رسول الداعمان الرئيسيان اللذان حملا بيرق برهم وانقلبا دون سابق انذار ومن دون مبرر معقول على الدكتور نجم الدين محافظ كركوك ومرشح السيدة هيرو ورفاقها..
هل كان قرار التحالف الكردستلني صائب ولماذا؟
يعزو الكثيرون سبب عدم انتخاب الدكتور برهم من قبل مندوبي التحالف الكردستاني الى قوة نفوذ السيدة هيرو. لكن الاصوات التي حصل عليها الدكتور معصوم تجاوزت قدرة نفوذ السيدة هيرو. صحيح ان اغلب الاصوات للدكتور معصوم جاءت من البيت الاتحادي لكن هذه الاصوات لم تكن كافية لمنحه الفوز. وعليه ليس من العدل ان يهيل الدكتور برهم جل ملامته على السيدة هيرو بل عليه ان يعيد النظر في تحالفاته!! فمندوبو الاتحاد دخلوا معترك حلبة التصويت وفي جعبتهم 23 صوتا بينما حصل الدكتور معصوم على 30 صوت. علما بان 9 اصوات من الاتحاد ادليت لصالح الدكتور برهم فمن اين جاءت 16 صوت اضافيا لصالح الدكتور معصوم؟؟
اذن ما الذي حصل في اجتماع فندق الرشيد ؟ وما الذي ادى الى عدم انتخاب برهم؟ لا شك ان المندوبين وجدوا انفسهم امام خيارصعب للتصويت لصالح الاصلح وهو الدكتور معصوم ، ام الاكفأ وهو الدكتور برهم. فادلوا باصواتهم للاصلح متجاوزين الاكفأ. ولعل مرد ذلك يعود الى ضعف امكانية فوز الدكتور برهم باصوات كافية في البرلمان العراقي لدى التصويت. علما بان السيد المالكي كان قد ذكر في احدى خطبه الاسبوعية مؤكدا على ضرورة ان يتمسك الرئيس العراقي القادم بوحدة الاراضي العراقية موجها كلامه الى الدكتور برهم لقربه من الحزب الديمقراطي الكردستاني. ولعل ذلك كان السبب الرئيسي لانتخاب الدكتور معصوم فحصل على اصوات غير اتحادية ومن ضمنها عددا لا يستهان به من اصوات لمندوبي الديمقراطي الكردستاني . ولذا يمكن القول بان اختيار التحالف كان صائبا وملائما للظروف التي تشهدها العلاقات بين الاقليم والحكومة العراقية.
ما هي خيارات الدكتور برهم:
لاشك ان الدكتور برهم قد اصيب بضربة موجعه وغير متوقعة لأنه كان وما زال الأكفأ لهذا المنصب. و لا ابالغ لو قلت بان برهم سوف يعلن موقفه تجاه رفاق حزبه الذين لم يتخذوا قراراً صارماً بترشيحه كخيارهم الوحيد. لذا ارى ان الدكتور برهم الآن يقيّم خياراته المتعددة وسيعلن عن موقفه عاجلا او اجلا. فما هي خيارات الدكتور برهم:
1- الدعوة الى عقد مؤتمر عاجل بامل الاستحواذ على الهيمنة الكاملة على كافة مراكز القرار للاتحاد الوطني الكردستني معتكزاً على دعم الاعضاء التسعة من المكتب السياسي الذين ساندوه لمنصب رئاسة الجمهورية وهم (كوسرت رسول، ملا بختيار، ئازاد جندياني ،عماد احمد ، حاكم قادر، ارسلان بائيز، محمود سنكاوي، شيخ جعفر، رزكار علي) للهيمنة الكاملة على الاتحاد الوطني الكردستاني .
2- استخدام نفوذه في المكتب السياسي لاسقاط بعض من اعضاء المكتب السياسي كتجميدهم مثلا متكأً على الفرسان التسعة وهم يمثلون الاغلبية في المكتب السياسي. ولعل الدكتور نجم الدين كريم على رأس القائمة المستهدفين للدكتور برهم والاسباب معروفة!!
3- الانشقاق عن الاتحاد الوطني وتأسيس حزب خاص به و رفاقه. وهذا الامر صعب المنال فان الاشخاص الذين اعتمد عليهم قد استثروا عبر امتيازات الاتحاد لن يتخلوا عن مناصبهم وأغلب الظن انهم لن يقامروا بما لديهم من نِعَم على حساب مستقبل مبهم ومجهول.
4- اعتزال السياسة وهو امر بعيد عن طموحات سياسي بارز بثقل الدكتور برهم. فالسياسة داء لعين كالسرطان فاذا ما اصابت احدهم فلن تبارحه حتى الممات.
5- الانضمام الى الحزب الديمقراطي الكردستاني الذي ادار ظهره له حين كان بأمس الحاجة اليهم. وهذا يعتبر انتحاراً سياسياً له، لان معظم مؤازريه داخل الاتحاد سيتخلون عنه. وسيفقد شعبيته في السليمانية وكركوك ..
فلننتظر فالايام القادمة حبلى بتطورات قد تفوق حجمها حجم مفاجأة اقصاء الدكتور برهم الاكفأ من كرسي الرئاسة.
جمال فاروق الجاف