” يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا * يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا * نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا * وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا * فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا * لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا * يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا * يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا * يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا * وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا ”
تأمل في معنى “ونحشر المجرمين يومئذ زرقاً”:
زرقاً قيل زرق العيون وسود الوجوه أي صورة مشوهة، وقيل زرق العيون أي عمي العيون لأن العين إذا عمت أزرقت، وقيل زرق العيون من العطش، وقيل زرق العيون أي عيونهم مزرقة لا يقدرون أن يطرفوها،علماً إنه الزرقة في العين أمر مبغوض عند العرب. وقيل زرق الأبدان من التعب والعطش.
يقول صاحب الميزان “والزرق جمع أزرق من الزرقة وهي اللون الخاص ، وعن الفراء ان المراد بكونهم زرقا كونهم عميا لان العين إذا ذهب نورها أزرق ناظرها وهو معنى حسن ويؤيده . قوله تعالى : ” ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا ” . وقيل : المراد زرقة أبدانهم من التعب والعطش ، وقيل : زرقة عيونهم لان أسوا ألوان العين وأبغضها عند العرب زرقتها ، وقيل : المراد به كونهم عطاشا لان العطش الشديد يغير سواد العين ويريها كالأزرق وهي وجوه غير مرضية .”
وصاحب تفسير الأمثل يميل إلى إن المقصود زرقة الأجسام بمعنى تغير لونها حيث يقول “فإن البدن عند تحمل الألم والتعب والعذاب يضعف ، ويفقد طراوته ، فيبدو قاتما وكأنه أزرق ”
وليس في الآية ما يدل على إن الزرقة يقصد بها لجزء من معين من أجسامهم وعادة إذا لم يشر إلى جزء ينصرف الذهن إلى جميع الجسد أو إلى الجزء الذي يتلون عادة بهذا اللون.
ويمكن القول كأطروحة باحتمال التفسيرات التالية:
1- إن كل المعاني أعلاه مقصودة ما عدا معنى العمى لأنه لا يتناسب مع القول بالحشر الجماعي ووجود التخافت فالعميان لا يتخافتون بينهم في حال يُبدو منها إنهم يعلمون بانتمائهم لصنف واحد ، وخلاصة المعنى الإجمالي إنهم يُحشرون بصورة بشعة تدعوهم للتخافت في الكلام ربما خوفاً من بعضهم البعض وربما خوفاً من الحشر الجماعي الذي يخصهم-مجموعة وجوه قبيحة وأشكال بشعة في محل واحد-.
2-إن تأثير النفخ في الصور ومشاهد القيامة تترك أثرها على المجرمين كلُ بحسبه بحيث يبدون كمن يتغير شكله أو لون جسده بسبب هول المحشر وصوره وهناك ما يؤيد إن الصور في الحشر تناسب الصلاح والفساد.
3-قد يستخدم الأزرق بمعنى الصفاء والوضوح كما في وصف النصل ووصف الماء فقد يكون المراد إنهم يحشرون واضحين مميزين عن غيرهم وربما منفصلين في مجاميع بحيث يتخافتون ولا يتخافت الأشخاص إلا إذا كانوا قريبين من بعضهم.
4-توصف الخمر بالزرقاء وبقرينة قوله تعالى “وترى الناس سكارى وما هم بسكارى”، فقد يكون المراد بإن المجرمين كأنهم سُكارى بسبب هول المحشر.
والله العالم
نستعيذ بالله من الحشر زرقاً.