قراءات انتخابية (١٤)

ان صحّ ما قيل من ان [اعذب الشعر اكذبه] فان الصحيح كذلك قولنا ان [اعذب الحملات الانتخابية اكذبها] طبعا في عالمنا الثالث وفي الدول التي يسمونها بالنامية، كجمهورية العراق، لماذا؟.
اولا: لان الكلام عندنا بلاش لا يدفع المرشح عليه لا مبلغا من المال ولا ضريبة، ولذلك تراه قد يهذي ليل نهار وهو يتحدث عن برنامجه الانتخابي، يخلط فيه الكذب مع الصدق والغث بالسمين والممكن بالمستحيل، اما في العالم المتحضر، فعندهم ثمن الكلمة باهض جدا، فضلا عن البرنامج الانتخابي.
ثانيا: كلام المرشحين عادة غير مسؤول، ولذلك يتكلم بما يريد وما لا يريد، المهم ان يقتنع به الناخب، وليس بعد ذلك ان كان صحيحا ام لا؟ اما في تلك الدول، فان البرنامج الانتخابية مسؤولية وطنية كبرى سيُحاسب عليها المرشح ويُساءل على مدى الفترة الدستورية التي يقضيها في سدة الحكم، نائبا كان ام رئيسا، لا فرق، اذ ستُسجل عليه وتعاد أمامه وعلى مسامعه ليل نهار ليتذكر ما قال وما وعد به.
ثالثا: كما ان كلام المرشح عندنا آني سيتجاوزه ويتناساه في اقرب فرصة سانحة خاصة اذا فاز في الانتخابات وحجز مقعده تحت قبة البرلمان، أما الناخب، فهو الاخر ينسى بسرعة خطابات المرشحين، فلم يسع لملاحقتهم ومطالبتهم بما وعدوا به الناس في حملاتهم الانتخابية.
تأسيسا على ذلك، اعتقد ان على الناخب ان يطرح اكثر من (٥٠٪) من كلام وخطابات ووعود المرشحين، على الأقل من اجل ان لا يشعر المرشح انه نجح في خداع الناخب والضحك عليه وتضليله وهو يعده ويمنّيه بما يعلم قبل غيره انه كذب او تضخيم لما يعد الناخب بانجازه، ومن اجل ان لا يُصاب الناخب بالإحباط الشديد والردة العنيفة وهو يرى ان اغلب وعود المرشح تتبخر امام عينيه، وتفلت من بين يديه.
ان المرشح، بذلك، يراهن على مرض النسيان الذي يصيب الناخب، فلماذا لا يثبت الأخير له عكس هذا التصور والمراهنة؟.
هذا من جانب، ومن جانب آخر، فان المرشحين على نوعين: الاول هم الذين في السلطة حاليا، فهذا النوع يمكن التأكد والتثبت من مدى صدق كلامه بالعودة الى ما أنجزه او التزم به خلال الفترة الدستورية المنصرمة، فإذا قال احدهم مثلا انه سيشكل حكومة أغلبية سياسية اذا ما فاز في الانتخابات لانه، بتصوره، سيحجز أغلبية نيابية مريحة، وهو الذي لم يحصد سوى اقل من (٣٠٪) في عزّ بهلوانياته واستعراضاته، فان على الناخب ان يضحك عليه ويستهزئ به لانه يخدعه مع سبق الاصرار، وهو كذّاب ومخادع بالجرم المشهود.
اما النوع الثاني فهو الذي يخوض الانتخابات النيابية لأول مرة، فعلى الناخب ان يعود الى سيرته الذاتية ليتأكد من نسبة الصح في كلامه وبرنامجه الانتخابي.
كذلك، فان على الناخب ان يزن وعوده بميزان العقل والمنطق والواقع، فإذا رآه مثاليا، فان عليه ان يحذره، كما ان عليه ان يتابعه بعد الفوز ويذكّره بوعوده ويحاول ان ينبّهه كلما سنحت للناخب الفرصة.
ان الناخب لا يعلم الغيب، ولذلك فهو لا يقدر على تحديد مسارات ما بعد الانتخابات لأي مرشح من المرشحين، الا انه قادر بالتأكيد على معاقبة المرشح الذي يحنث بوعوده ويثيب الاخر الذي يلتزم ولو بنسبة معقولة من برنامجه الانتخابي.
اما الذي قضى ثمان او عشر سنوات في السلطة، فان من السهولة بمكان تصفية كلامه وخطاباته وبرنامجه من الأكاذيب والشوائب والخدع، شريطة ان يستذكر الناخب تاريخه وهو في السلطة بكل تفاصيله، فإذا كان فاشلا ومخادعا وكذابا ولصا وفاسدا، ثم تغاضى الناخب عن كل ذلك، بشعارات طائفية مثلا او بعنتريات وبهلوانيات واستعراضات حلوة مسها وقاتل سمها، عند ذلك سيثبت لنا الناخب مدى غباءه وجهله، هذا اذا لم يثبت لنا بمثل هذا التصرف انه كمرشحه لص وكذاب ومخادع، على قاعدة [شبيه الشيء منجذب اليه] والتي تحدثنا عنها في الحلقة السابقة.
ولشدّ ما يُضحك الثكلى عندما يتحدث وأمثاله عن التغيير، وكأن السلطة كانت بيد غيره، فلو كان قادرا على التغيير لغيّر في الأعوام الكثيرة التي قضاها في السلطة، اما اذا تحجج بكل علة وسبب، فسيكررها بالتأكيد اذا ما فاز في الانتخابات مرة ثالثة، لان الفاشل لا يُعدم التحجّج، خاصة اذا راهن على غباء الناخب وعلى ذاكرته الضعيفة.
٢٧ نيسان ٢٠١٤
للتواصل:
E-mail: nhaidar@hotmail. com
Face Book: Nazar Haidar
WhatsApp & Viber: + 1 (804) 837-3920

Comments (0)
Add Comment