الثقافة الشعبية العامة تعتبر أساس الوعي الاجتماعي، والمنظومة الثقافية تشكل البنية التحتية لأي مجتمع، وهي من أخطر الأنظمة التي يتعامل معها المعنيون بالتربية الاجتماعية، وقد يكون التأثير فيها بطيئاً وخفياً ولكنه يسبب نقلات كبيرة في تأريخ الشعوب واهتزازات ضخمة، يتفاجأ بها الغافلون ولا يملكون ردها إن حصلت.
والمجتمع العراقي مجتمع متحرك وعاطفي ومن السهل أن تنتقل فيه الموجات الثقافية عن طريق وسائل الإعلام والأقلام الفردية والمشاريع الثقافية في الوقت الذي نرى يفه قلة اهتمام المعنيين بالثغرات التي يعانيها المجتمع العراقي من هذه الناحية وقلة رعايتهم للمشاريع الثقافية.
وقد وجدنا من سماحة الشيخ اليعقوبي عناية بالمشهد الثقافي العراقي تليق بهذا الشعب ومعاناته في الميدان الثقافي وفي الجذور غير الثقافية للأزمات الثقافية، ورعاية تليق بدوره الأبوي الذي تبناه في بناء وترميم البنية الاجتماعية، ومن خطواته في بناء الوعي الاجتماعي:
1- مراقبته للحركات الثقافية المعادية التي تدخل الوسط الإسلامي والمجتمع العراقي من وقت مبكر وتوقيت الجرعات المناسبة للوقت المناسب لمواجهتها، حتى كان ينقل إليه وجود مشاريع مبكرة تتسلسل للشارع العراقي فنجد أنه على اطلاع بها ومعرفة بجذورها.
2- تحليله لآليات الإقناع في المشاريع الثقافية المعادية التي تستهدف الشباب في الأمة، فكان حين يُعرض عليه بعض الخطابات المنحرفة والكتب التي تستهدف الشباب يقول إن حل هذه الشبهات من أذهان الشباب لا يكون فقط بالنقاش والاستدلال المقابل بل بتوفير فرص العمل وتسهيل الأمور المعيشية وفرص الزواج للشباب ليزول الضغط النفسي الذي يحملهم على الاقتناع بهذه الأفكار التي تبيح علاقات غير مشروعة بين الرجل والمرأة أو تشجع على الانحراف الديني والاجتماعي.
3- توقيت المواجهة وترتيب المقدمات قبلها، فكان يقول إن التصدي للمشروع الثقافي المنحرف الفلاني يعتبر في الوقت الحاضر ترويجاً له، وكان سماحته يبث نوعاً من الثقافة لتتشرب في أذهان الناس تصلح أن تكون مقدمات خفية لمواجهتها، كالوعي الحركي والثقة بالتقنين الإسلامي التي لا يمكن أن يتجرعها الفرد المتلقي دفعة واحدة فيحتج بها على المنكرين لقابلية الإسلام التقنينية على إدارة الحياة، فلا بد أن يطلع الفرد على تجارب تأريخية وحاضرة كثيرة إسلامية وغير إسلامية بهدوء ليعرف أن المشكلة ليست في أصل التشريع بل في الالتزام العملي من قبل الأفراد المتصدين لتحريك الأمة الإسلامية والمجتمع الإسلامي، وإذا ميّز المتلقي ذلك لم يتمكن المتصيدين في بركة الواقع المتردي من نسبة التردي الاجتماعي إلى أصل الإسلام بل يعرف بوضوح أنها بسبب الانحراف الذي مُني به الإسلام ولا زال يُمنى من قبل الخط المعادي لخط أهل البيت (عليهم السلام).
4- إعداد المثقفين والمتفقهين لمواجهة الشبهات الفكرية، فإن الوسط الاجتماعي والثقافة الشعبية ليس كالوسط العلمي يكفي فيه أن تبين الجواب بحجة واحدة بل لا بد من زخم من الأقلام والمتكلمين يوصلون الفكرة ويرسخونها إلى المنظومة الاجتماعية المعقدة بحسب مناسبات المتلقين وظروفهم.
5- الانتباه إلى النقاط الإيجابية في الحركات الثقافية العشوائية القاصرة وعدم مواجهتها وخسارة نقاطها الإيجابية فكان لا يمانع من أن يطلع الشاب على كتب بعض الكتّاب وينظر إليها بتفاؤل لأن المهم في الخطوة الأولى بحسب نظره أن نجعل مجتمعنا يقرأ ويطلع ويتحرك ويخرج من القطيعة التي يعيشها الكثيرون من أبنائه مع الكتاب، ثم نحن نحتفظ بمفتاح الجواب في الوقت المناسب إن حصل استفهام سلبي لدى الناس.
6- قبول الآخر والتعايش معه وعدم استعمال أسلوب التكفير والتحذير وسوء الظن، وقد نقلنا إليه كلمة للعالم الإنكليزي ستيفن هوكنك الذي يراه الكثيرون من أنصار الإلحاد يقول فيها ما معناه: (إننا لا يمكن أن ننجو من دمار العالم بالانكماش العظيم مستقبلاً وننتقل إلى عالم آخر إلا إذا عرفنا سر بداية هذا العالم، عند ذلك سنكون أسياداً على العالم الجديد وعلى هذا العالم) فقال سماحته: (لا يمكن أن نتسرع ونعد هذا الشخص ملحداً وهو يقول هذا الكلام). وكذلك موقفه من النظريات الدينية الشاذة فكان لا ينكرها تماماً ولكن يبحث عن نقاط إيجابية فيها تصلح أن تكون نقطة حوار وأرضية للتفاهم والوصول إلى نتائج مشتركة معها.
7- تقديم البدائل للنظريات الفكرية المنحرفة فإنه يؤمن أنها لم تجد لها رواجاً في أذهان الناس لولا أن هناك جذوراً من الحاجة في أعماقهم، مثال ذلك أنه حين اطلع على بعض الكتب التي يدعي مؤلفوها العرفان وشاهد البلبلة الفكرية في أذهان الطالبين لهذه الحاجة المشروعة أمر بطباعة الرسائل التربوية العرفانية التي كان يتبادلها مع السيد الشهيد الصدر الثاني، وكان يمسكها عن النشر رغم أنها كانت مفيدة في جوانب إعلامية تتعلق بمرجعيته والعلاقة مع السيد الشهيد، لأن سماحته أراد لها أن تقرأ كثقافة تربوية عرفانية وليس كثقافة حركية أو دفاع عن المرجعية.
8- رعاية عدد كبير من المثقفين والأقلام الواعدة وتشجيعهم على العطاء والتفكير وطباعة كتاباتهم على نفقته حتى بلغ ما تكفل سماحته طباعته لهم العشرات من الكتب في مختلف الجوانب النافعة، وقد أسس لجنة ثقافية وعلمية في مكتبه لرعاية الكتّاب والمثقفين وتقييم الكتابات وتقديم النصائح لأصحابها وترشيحها للنشر. وقد أدت هذه السياسة إلى توفر عدد كبير من المثقفين في الوسط العراقي أعاد للمجتمع العراقي سمعته كوسط ثقافي متحرك، ويعترف المخالف قبل المؤالف أن هناك عدداً كبيراً من المثقفين ممن يركنون إلى سماحته، وبعض هؤلاء المثقفين كان وليد التربية التي تولى زمامها سماحة الشيخ بعد استشهاد السيد الشهيد الصدر الثاني (رضوان الله عليه).
9- تسامحه وأبويته مع العقول المفكرة، فلربما نشر سماحته بعض الكتب وهو لا يوافق الكاتب على بعض أطروحاته فيها، ويعبر عن ذلك أننا لا ننتظر منهم أن يوافقونا في كل شيء ولا يمكن أن نفرض عليهم وجهة نظرنا في الأمور التي لا نرى فيها بأساً ولا بد أن نحترم تجاربهم الفكرية، وكان لا يخطّئ أحداً بشكل مباشر بل كان يشير إشارة تجعل المقابل يلتفت إلى الخطأ من تلقاء نفسه ثم لا يوقف مشروع الآخر على شرط انسجامه معه.
10- بثه لثقافة دينية وفكرية كبيرة وواسعة تناسب الثقافة الشعبية عبر مئات الخطب والكلمات والتوجيهات التي عُرف بها في السنوات التي تصدى فيها للإرشاد الاجتماعي العام وقد صُنفت هذه الكلمات مؤخراً فصارت كتباً مستقلة في أبوابها كالتنمية البشرية والمواجهة مع الفكر الغربي والتربية الحسينية وغيرها.
11- كان سماحته يوصي عبر صحيفة الصادقين التي تصدر من مكتبه بقراءة بعض الكتب ويوضح فائدتها للقراء، كبعض شروحات الزيارة الجامعة ومؤلفات دينية وسياسية وثقافية كثيرة.
12- بيان رأي الشريعة في المناسبات والمواضيع الحساسة والنظريات الرائجة التي تحصل في المجتمع العالمي والإسلامي كالإرهاب والحداثة وما بعد الحداثة وغيرها، والأحداث الكبرى التي تنعكس على الثقافة الشعبية العامة.
13- تأسيسه لبعض المشاريع الثقافية، كالمكتبة الملحقة بمكتبه في النجف التي أسسها لبيع الكتب النافعة للثقافة العامة وكان يطلع على ما يباع فيها إجمالاً ويوكل الاطلاع على نفع الكتب فيها وانتقائها إلى من يثق بثقافته، والمعيار في الكتب الموجودة في هذه المكتبة هو جدواها في تربية المجتمع وسد الحاجات الفكرة لدى أبناء الإسلام وتعريفهم الدين الحقيقي، فكانت هذه المكتبة منفصلة عن المكتبة التي تتكفل نشر تراثه الفكري. وتتضمن هذه المكتبة كتباً لشخصيات علمائية كثيرة، وهذا تعبير عما يؤمن به سماحة الشيخ ويقوله من أن المهمة التربوية لا يمكن أن يقوم بها واحد بمفردة ولا بد من تعاون جميع العلماء للتصدي لهذه المسؤولية.
14- اتصاله المباشر بالمجتمع ومحاوراته المباشرة مع أهل الاختصاص وأصحاب الأقلام والمفكرين، واطلاعه الشخصي على الأفكار الخطيرة، وقد نُقل له أن الكاتب والمفكر الفلاني منحرف ويقول كذا ويخطط لكذا، فاطلع بنفسه على كتابه وأرجع رأيه بعد مطالعة كتابه كاملاً بأنه ليس فيه ما ذُكر ضده.
وهذا الاستعراض الموجز لا نريد به الثناء على سماحته وبيان النقاط الإيجابية في مرجعيته فحسب بل نريد أن يتعلم رعاة المجتمع منه ويتعرفوا على ثقل المسؤولية التي يضطلع بها العالم وما يقع على كاهله من عبء رعاية قلوب الناس كما ورد في الحديث الشريف في وصف العلماء وأهميتهم: (لولا من يبقى بعد غيبة قائمنا من العلماء الداعين إليه ، والدالّين عليه ، والذابين عن دينه بحجج الله، والمنقذين لضعفاء عباد الله من شباك إبليس ومردته، ومن فخاخ النواصب لما بقي أحد إلا ارتد عن دين الله، ولكنهم الذين يمسكون أزمّة قلوب ضعفاء الشيعة كما يمسك صاحب السفينة سكّانها أولئك هم الأفضلون عند الله عز وجل).