قراءة في الفكر والموقف السياسي للشيخ اليعقوبي الحلقة الثانية:-

توجيهات الحوزة إلى الشعب إثناء حرب إسقاط النظام

صدر الخطاب الأول من خطابات المرحلة-هي سلسلة من الخطابات بدأت بالصدور منذ اللحظة الأولى لبدء الحملة العسكرية ولازالت مستمرة لحد الآن تتناول مواضيع متنوعة- لسماحة آية الله العظمى الشيخ محمد اليعقوبي (دام ظله) بتاريخ 6/4/2003 أي بعد دخول قوات الاحتلال للأراضي العراقية وقبل دخولها بغداد وإسقاط صنم الطاغية بثلاثة أيام بعنوان (توجيهات الحوزة إلى الشعب ) وسنحاول في هذه المقالة قراءة هذه التوجيهات سياسياً للاستفادة منها وقد تم ذكر (11 نقطة) في هذه التوجيهات سنذكرها بالتتابع ونعلق عليها:-

1-(التركيز على وحدة الصف وعدم التركيز على الأسماء وليكن العنوان الذي يجمعنا اسم الحوزة الشريفة).
هذا التوجيه صادر من احد رموز الحوزة العلمية الشريفة في النجف الاشرف يدعو فيه أبناء الشعب العراقي إلى التركيز على وحدة الصف تجاه الفتن القادمة والتحديات المقبلة وبالتأكيد فإن من اشد الأمور فتكاً بشعب من الشعوب أن يكون أبناءه غير متحدين إثناء الفتن ووحدة الصف لا تعني السير خلف جهة واحدة فقط وتخطئة كل الآخرين ومنع التعامل معهم أو تقبل شيء منهم وهي لا تعني أيضاً السير خلف الجميع في وقت واحد لأنه متعذر لوجود الاختلافات وإنما تعني أن ننظر إلى المشتركات ولا نكون مصدراً للفتن ولا ناقلين أو مؤججين لها كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السلام):- (كن في الفتنة كابن اللبون لا ظهراً فتركب ولا ضرعاً فتحلب) ولا يعني هذا الحديث حسب ما نفهمه من ظاهره الجلوس في الفتن وترك العمل وإنما يعني أن لا تكون قائداً لغيرك للدخول في فتنة-لا ظهراً فتركب- و لا تكون مصدراً للفتن –لا ضرعاً فتحلب- ، والشق الثاني من الكلام أي عدم التركيز على الأسماء لا يعني عدم احترام الرموز أو عدم الأخذ منها ولكن يعني أن يكون رائدنا في التقييم والإتباع العمل لا مجرد رمزية الاسم الذي قد يكون من صنائع الإعلام الخاوية الذي يصدق عليه قول الشاعر(لا تكشفن مغطئاً فلربما كشفت جيفة) ، وكثيراً ما كانت رمزية بعض الأسماء الغير مستندة إلى العمل الصحيح والتقييم المنطقي حاجزاً دون الصلاح والإصلاح وصخرة في طريق العاملين الرساليين فلا يكن اندفاعنا وسيرنا خلف فلان لأنه فلان وإنما يكون لان عمله كذا وكذا ، ومن أحسن النصائح السياسية لتقييم القادة والرموز والمسؤولين هي تجريدهم من كل شي ما خلا العمل الصحيح وعند ذاك لن يقدر احد على خداعنا وتضليلنا، وإن جعل العنوان الجامع للناس هو اسم الحوزة الشريفة له عدة معاني الأول إن الخطاب كان موجهاً لأبناء الطائفة الشيعية بوجه خاص ليس لان الحوزة لا تهتم بالآخرين وإنما لان أبناء الشيعة هم الذين يُحتمل فيهم الاستماع والطاعة للحوزة الشريفة دون غيرهم وهذا المعنى محدود ، والثاني إن الخطاب موجه لجميع العراقيين بقرينة كلمة الشعب والشعب لا تعني طائفة دون أخرى وجعل العنوان الجامع هو الحوزة الشريفة دون غيرها من العناوين سببه كونها –أي الحوزة- تريد أن تبيّن للشعب بأنها تهتم بأمر الجميع –والمواقف والتاريخ كما في ثورة العشرين تشهد على ذلك- وان اتخاذها عنواناً جامعاً يبرره كونها لا تمثل شخصاً بعينه –فلا نقع في محذور التركيز على الأسماء- أما موضوع الطاعة من عدمه ممن لا يرون للحوزة سلطاناً عليهم فنقول إن عدم الطاعة قد يصدر حتى من أبناء الطائفة الشيعية فهو وارد بل ومحتمل بشكل كبير ومع هذا لم يمنع الحوزة من مخاطبتهم وان احتمال الطاعة من أبناء الشعب من غير الطائفة الشيعية وارداً حتى لو كان بمقدار بسيط فهو كافي لتعميم الخطاب وشمولهم به وحتى لو لم تحصل الطاعة فان الحوزة الشريفة ممثلة برموزها تكون قد أدت ما عليها تجاه الشعب من النصح والإرشاد.

2-(إقامة صلوات الجماعة في الجوامع من قبل طلاب الحوزة والحث على الحضور المكثف من قبل أبناء المجتمع).
لا يخفى ما لصلاة الجماعة من دور ديني وتربوي واجتماعي وخاصةً في مثل هكذا ظروف فإنها إضافةً لكونها عبادة جماعية تقود الناس إلى الاجتماع والتقارب فإنها تكون فرصة للتحاور والنقاش لتدارس الأزمات وإيجاد الحلول لها كما إن يد الله مع الجماعة كما روي عن الرسول (صلى الله عليه واله وسلم) فتكون مدعاةً لنزول البركات والرحمة الإلهية.
وقد انتشرت في حينها صلوات الجماعة في المساجد فحتى صلاة الصبح صارت تُصلى جماعةً في الكثير من المساجد ولكن هذا الأمر بدء بالانحسار تدريجياً بعد أن بدأت الصراعات –وخاصة السياسية- وما رافقها من أخطاء جسيمة تترك أثرها السيئ على الناس وتشعرهم باليأس فصاروا يبحثون عن الحل بعيداً عن الدين والعياذ بالله كردة فعل سلبية على ما حدث فليتها تعود تلك الأيام.

3-(صلاة الجمعة تحددها لجنة من قبل الحوزة بإمامة طلاب الحوزة على التناوب ويجب على الجميع الالتفاف حولهم والصلاة خلفهم دون النظر إلى الجهة التي ينتمون إليها).
ما قيل في صلاة الجماعة يصح عنها أيضاً ،إضافةً إلى خصوصيات صلاة الجمعة من وجود الخطبتين –إحداهما سياسية-واجتماع عدد اكبر من الناس فيها والتوجيه بالتناوب في اختيار الأئمة وحث الناس على الالتفاف حولهم دون الاهتمام بالجهة التي ينتمون إليها يرُاد منه الحث على وحدة الصف وتدريب الناس على ذلك وقد تم تطبيق هذه النقطة في الأسابيع الأولى وكان لها صدىً طيباً لدى الناس وليتها استمرت لكان وضعنا يختلف كلياً عن وضعنا الحالي السيئ.

4-(إعداد لجنة محلية مكونة من وجهاء المنطقة وطلبة الحوزة لتنظيم شؤون المنطقة سواءً الإدارية أو الاجتماعية أو الصحية).
وهذا يعني إنشاء حكومات محلية مؤقتة حيث إن الوضع في حينها كان يتطلب ذلك إذ لا بد للناس من حاكم وإلا اضطربت الأمور وحدثت الكثير من المشاكل وهنا لابد من الحديث عن مجموعة أمور أهمها:-
أ- إن إعداد هذه اللجان قد حدث فعلاً في الكثير من المناطق وأنتج في بعضها انتخاب مجالس بلدية صارت تشرف على دوائر الدولة وتنظم عملها.
ب-كان لهذه اللجان–وكذلك لبعض الشخصيات- الدور البارز في عدم توقف الخدمات واستمرار الدوائر بعملها –الخدمية منها خاصة- وإعادة موظفي الدوائر الذين توقفوا عن العمل إلى عملهم.
ولا زلنا نذكر بحسرة وألم –لفقدان ذلك-كيف إن الشوارع والدوائر كانت في حينها أنظف والكثير من الخدمات ومنها الكهرباء –في بعض المناطق –كانت بأحسن صورة.
ج-كان لهذه اللجان الدور الفعال في إيقاف عمليات السلب والنهب وإعادة الكثير من مقتنيات الدوائر والمواطنين في حين إن قوات الاحتلال كانت لا تهتم بهذه الأمور بل قيل في حينها إنها كانت تشجع السلب والنهب-ربما ذلك يفيدها في عدم التفات الكثير من أبناء الشعب إلى إن بلده قد تم احتلاله وذلك لانشغال البعض بالسلب والنهب وانشغال البعض الآخر في مواجهة ذلك-.
د-بالتأكيد إن تجربة اللجان لم تكن تجربة مثالية فقد حدثت فيها الأخطاء –ولكنها قليلة قياساً بحداثة التجربة- واستغلها البعض لتسلم المناصب دون استحقاق يُذكر ومع هذا فان فوائدها كانت أكثر من مضارها وهذا يكفي.
هـ-كانت هذه اللجان تجربة لأبناء الشعب تعلموا منها الكثير من الدروس في إدارة شؤونهم المحلية وكيفية اختيار الأشخاص وكيف يمكن أن يمارس البعض الخداع لاستغلال الآخرين ومعرفة هؤلاء المخادعين رغم إن الاستفادة من هذه الدروس والعبر كانت محدودة.

5-(عدم التجاوب مع أي حزب أو سلطة أو اتجاه خارجي لعدم وضوح مناهجهم وأطروحاتهم ومدى مطابقتها لرؤى الحوزة العلمية الشريفة).
وهو إجراء احترازي الهدف منه التأني في التجاوب مع الأطروحات الخارجية والداخلية خاصة الغريبة منها وكذلك الجهات والأشخاص لحين معرفة أطروحاتهم ورؤاهم بصورة واضحة وجلية وتقييمها من قبل المختصين لمعرفة مدى مطابقتها لرؤى الحوزة الشريفة من عدمها لان الكثير من هذه الأطروحات قد تكون هدامة-كما تبين لاحقاًُ- والكثير من هذه الجهات والأشخاص لديهم أجندات خارجية ومطامع فئوية وشخصية ولا هم لهم إلا مصالحهم-كما عرف الكثير من أبناء الشعب ذلك لاحقاً ولكن بعد أن سبق السيف العذل- ومع الأسف لم يستجيب الكثير من أبناء الشعب لهذا التوجيه المهم وصاروا يصفقون ويهللون لكل قادم وليتهم تأنوا وانتظروا قليلاً لعرفوا مقاصد الآتين ومن منهم يبحث عن مصالحه أو مصالح العباد والبلاد لكنّا تجنبنا الكثير من المشاكل والأزمات ولاختصرنا الكثير من الوقت ولما ضاعت الكثير من الطاقات ولما خسرنا الكثير من أبناء هذا البلد لإرضاء غرور ومطامع فلان وفلان.

6-(الحفاظ على الممتلكات العامة وحمايتها وتامين الأموال العامة داخل البيوت الأمينة إلى حين صدور تعليمات جديدة من الحوزة).
وهو دعوة للوقوف بوجه عمليات السلب والنهب وقد تحدثنا عنها عند حديثنا عن اللجان في النقطة 4.

7-(توزيع المساعدات للمحتاجين من خلال المساجد أو الوجهاء أو وكلاء المواد الغذائية وحرمة حالات الإذلال التي تحصل إثناء توزيع المساعدات القادمة).
وهو دعوة للتكافل الاجتماعي ومساعدة المعوزين من خلال منافذ يتم السيطرة عليها من خلال اللجان السابقة الذكر أو غيرها وعدم اختيار الواجهات السياسية كمنافذ لتوزيع المساعدات حتى لا تكون ترويجاً سياسياً لتلك الجهات وقد تكون مشروطة-كما حدث فعلاً- بشروط مذلة ومن هنا تم التركيز على حرمة الإذلال إثناء التوزيع من وضع الشروط أو التوزيع بطريقة تتضمن الإذلال كالوقوف لساعات طويلة أو التوزيع بطريقة غير منتظمة.

8-(على أئمة الجمعة والجماعة التطرق إلى المواعظ الأخلاقية والحالات الاجتماعية المنحرفة المعاصرة وعدم الخوض في الأمور التي تثير الفرقة والتشتت).
وهذا توجيه لائمة الجمعة والجماعة في التركيز على المواعظ الأخلاقية للارتقاء بالمستوى الأخلاقي للمجتمع والحالات الاجتماعية المنحرفة المعاصرة لتنبيه الناس عليها وإرشادهم إلى طرق مواجهتها وعدم الخوض في الأمور التي تثير الفرقة والتشتت للحفاظ على وحدة الصف المطلوبة في مثل هكذا ظروف بل هي مطلوبة دائماً.

9-(المحافظة على الهدوء وعدم تصفية الحسابات الشخصية في الوقت الحاضر).
وهو توجيه امني يُراد منه الحفاظ على وحدة الصف وعدم إعطاء الذرائع للمحتل لدخول المدن والبيوت وانتهاك الحرمات وعدم تصفية الحسابات الشخصية في حينها لما في ذلك من هدم لوحدة الصف وتخريب للهدوء وترغيب بالفوضى وإعطاء الفرصة لذوي النفوس المريضة لاستغلال ذلك الوضع وانتشار للجريمة بسبب ذلك وظلم الآخرين بقصد أو دون قصد حيث لا تخلو عملية تصفية الحسابات الشخصية من الظلم لأنها لم تتم ضمن أطرها الصحيحة.

10-(احترام التركيبة الاجتماعية سواء الأديان السماوية أو المذاهب الدينية أو القوميات المختلفة).
وهو دعوة لعدم ممارسة أي نوع من التمييز على أساس الدين أو المذهب أو القومية واحترام الآخر ومعتقده لان عدم ذلك سيقود –وقاد فعلاً لاحقاً- إلى مشاكل كبيرة قد تتحول إلى حروب تأكل الأخضر واليابس والغريب انه في بدايات الاحتلال كانت مثل هكذا ممارسات قليلة ومحدودة جداً رغم عدم وجود دولة وعدم وجود قانون ولكن بعد ذلك ولأسباب يطول شرحها صار القتل والذبح والخطف والحرق والشنق بل والطبخ-قامت بعض العصابات بقتل الأشخاص ثم طبخهم في إثناء الحرب الطائفية-على أساس الدين والمذهب والقومية منتشراً على طول البلاد وعرضها.

11-(دعوة موظفي الدوائر الرسمية والخدمية لمزاولة أعمالهم والعودة إليها أما ما يتعلق برواتبهم فتنظم من قبل اللجنة المشرفة بمراجعة الحوزة العلمية الشريفة).
وهو ما قامت به اللجان فعلاً فرجع الكثير من الموظفين إلى دوائرهم وتم توزيع مبالغ من جهات متعددة على الكثيرين منهم.

ونقول أخيراً إن المتابع للأحداث في تلك الفترة يجد إن هذه التوجيهات كانت هي العلاج الأنجع فيما لو طبقت تطبيقاً كاملاً لكنّا حصدنا من وراء تطبيقها الخير الكثير.

 
رشيد السراي
2/6/2009

Comments (0)
Add Comment