الأمة المنعزلة و المتداعية إنموذجاً
لعل هناك الكثير من الأفراد يشككون بحتمية ظهور الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن المهدي (عجل الله فرجه الشريف) وقيامه وتأسيسه لدولة العدل الإلهي ، أو غلب عليهم اليأس من قيامه (صلوات الله عليه) ، وكأنهم لم ينتبهوا أو غاب عنهم أنهم احد أسباب التأخير في الظهور والقيام المهدوي المبارك …
فان القائد والإمام المعصوم ما لم تكن معه قاعدة شعبية تؤمن به وتضحي بالغالي والنفيس من اجله فان حركته لن يكون لها أي معنى ومحكوم عليها بالفشل أكيداً إلا بمعجزة . والمعجزة هنا ليس لها مسوغ لان بإمكان الإمام (عليه السلام) الانتظار لحين وجود قاعدة شعبية مؤمنة واعية ، تعيد ترتيب اولوياتها وتترك الانعزال أو التداعي والانحراف وتنطلق نحو التجديد وإيجاد الوعي والسعي الحثيث نحو خلق النفس الصالحة وغرس روح الوعي والانفتاح على عالم المعنى والطهارة الروحية ، والنزول لساحة المجتمع وتفعيل الفرائض والسنن المعطلة التي أمرنا بها الخالق جل وعلا وحثنا عليها أئمة أهل البيت (صلوات الله عليهم) ، كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وخدمة الناس وإنصافهم والمطالبة بحقوقهم ، وإرشادهم لطريق الصلاح ، وزرع الوعي الديني والفكري ، ونشر ثقافة أهل البيت بين أبناء المجتمع ، وتفعيل جانب الانتظار الايجابي الموجه للقائد الفعلي المعصوم صاحب العصر والزمان (عج) .
فأن من أهم أسباب وجود هذه الأمة المنعزلة والمنحرفة هو ركون بعض القيادات والزعامات السياسية والدينية والاجتماعية إلى الانعزال واللامبالاة بالمجتمع ، أو عدم قيامها بواجبها بالصورة الصحيحة من خلال الآليات والسياسات الخاطئة التي تنتهجها في عملها الرسالي والسياسي والاجتماعي مما يؤثر سلباً على النتائج المتوخاة في المجتمع . هذه الأسباب وأسباب أخرى تدعو إلى إيجاد أمة متخاذلة متحنثة ومنحرفة وبالتالي خلق أفراد لا يصلحون لقيادة مجتمعهم وغير قادرين على إيجاد قابليات ناهضة واعية مساندة للحق ومتكاملة لنصرة الدولة الإلهية العادلة الموعودة . أفراد مخدرين منقادين ليس لهم أي قرار ، وإنما يُتخَذُ القرار بالنيابة عنهم ، ولا يفكرون وإنما يُفكرُ لهم ، قد أغرتهم الشعارات والمصطلحات العريضة فغرقوا في أحلام وردية موعودة ، أو اضمحلوا في تحصيل كسبٍ افقدهم الشعور بالزمان والمكان فخلق لهم عالماً من اللاوعي ، غاب عنهم نصيبهم من الحياة الدنيا ؛ لان نصيبهم قد تلقفته حيتان بشرية ثم قطعت آمالهم أنياب ذئاب إنسانية لتلوكه ثم تجتره أشباه خَلق بحقائق شيطانية …
فكان لزاماً على تلك القيادات خلق قاعدة شعبية مؤمنة واعية تكون هي العدد الكافي من الأفراد الذين يحملون شعوراً عالٍ بالمسؤولية ، واستعداداً للتضحية في سبيل الله عز وجل ، واستعداداً للتضحية والذود عن صاحب الأمر الحجة بن الحسن (صلوات الله عليه) والمشاركة في تطبيق الأطروحة الإلهية العادلة وبالتالي تأسيس تلك الدولة العادلة .
وان القيادة التي تريد التصدي في وقتنا الحالي لديها من الأسباب الكثيرة التي تجعلها قادرة على إيجاد هؤلاء الأفراد من خلال وجود أسباب خلق الوعي والمسؤولية ، والتي أشار لها السيد الشهيد الصدر الثاني (رضوان الله عليه) حيث قال ما نصه : (( وان السبب الرئيس الكبير لتولد الوعي والشعور بالمسؤولية الإسلامية ، والإقدام على التضحية لدى الأمة ، هو مرورها بعدد مهم من التجارب والظروف الصعبة وإحساسها بالظلم والتعسف ردحاً كبيراً من الزمن … حتى تستطيع أن تُفّهم نفسها وان تشخص وتشعر بمسؤوليتها . فان هذه الصعوبات كالمبرد الذي يجلو الذهب ويجعل السكين نافذاً . فان الأمة – في مثل ذلك – لا تخلد إلى الهدوء والسكون ، بل تضطر إلى التفكير بأمرها وبلورة فكرتها وتشخيص آلامها وآمالها بنحو وجداني عميق بسهولة التضحية في سبيل الأهداف الكبيرة ووجوبها إذا لزم الأمر ونادى منادي للجهاد )) .
ولا يخفى على المتتبع لأحداث اليوم فان المجتمع يمر بهذه الظروف الصعبة والظلم والتعسف ومنذ زمن ليس بالقليل ، لكن ما يحتاج إليه هو الموجه والمرشد والناصح والأستاذ الحاذق ، فلو انتبه المجتمع لهذا الموجه والمرشد وشخصوه بعيداً عن الأنانية والإتباع الأعمى وتقليد الآباء من قبيل (هذا ما وجدنا عليه آباؤنا) ؛ لسُعدوا ولفتحت عليهم أبواب السماء بالخير والفرج القريب ، ولقامت تلك الأمة الواعية التي وُجدت لتكون شرطاً أساسياً في القيام المهدوي المبارك و إدراك الفتح بنصرة خاتم الحجج عجل الله فرجه الشريف .