الحلقة (٨): الأفلام الخلاعيّة تؤثّر على سلوكك!

هل مر على أسماعكم عبارة: “القرد يفعل ما يراه”؟ تبدو الجملة بسيطة، لكنّها في الحقيقة تمثيل لعلم معقّد من علوم الدّماغ.

فكما تعلمون، القردة، والبشر، والثديات الأخرى جميعاً، تملك في دماغها شيئاً يدعى “مسار المكافئة”. (١) وجزءٌ من وظيفة مسار المكافئة هذا هو الترويج لحياة صحية عبر مكافئتك عندما تقوم بشيء إمّا أن يكون يساهم في بقائك حياً (كالتغذي)، أو أنّه يخلق حياةً جديدة (كالتزاوج) (٢)، أو أنّه يُثري حياتك بعلاقات وتجارب مُرضية. (٣)

وطريقة مكافئتك هي عبر إفراز مواد نحو دماغك، وبالخصوص تلك المادة التي تُدعى “دوبامين” “Dopamine” (راجع الحلقة (٧) الأفلام الخلاعيّة تغيّر دماغك). (٤) يجعلك الدوبامين تشعر بشعور جيّد، لكن تأثيراته ليست مؤقتة فقط. فبينما تكون أنت تستمتع بالشعور الجيّد الذي تتركه هذه المادة، فإنّها تقوم ببناء مسارات جديدة داخل دماغك تربط بين الأجزاء المختلفة للتجربة التي خضتها حتى تتمكن من الرجوع لنفس الفعل لاحقاً. (٥) وهذا هو السبب الذي يجعل من تلك التصرفات التي نربط سعادتنا بها تميل إلى أن تصبح عادات وتبقى ملتصقة بنا. وعند حصول عملية التأقلم الكيميائيّة هذه مع ممارسات صحيّة، فإنّ ذلك يساعد على استمرارنا في عيش حياة حسنة، لكن عندما تحصل هذه العمليّة مع ممارسات غير صحيّة وممارسات يتكتّم المرء حولها فإنّ لها -حينئذ- تأثيراً معاكساً تماماً.

لذا فعندما يشاهد شخص ما الأفلام الخلاعيّة، ويظن أنّه يستمتع بوقته ليس إلّا، يكون دماغه مشغولاً بالعمل على بناء مسارات تربط بين كل ما يحصل أمامه على الشاشة وبين الشعور بالنشوة. (٦) وهذا هو الجزء الحساس في الموضوع: نوع الأفلام الخلاعيّة التي يشاهدها المرء بإمكانها -وعادة تفعل ذلك- أن تتغيّر مع الوقت. (٧) لذا وفي الوقت الذي يقوم به الدماغ بالربط بشكل مستمر بين ما يشاهدونه وبين شعور النّشوة والشهوة الذي يشعرون به، ما يجلب لهم هذا الشعور بإمكانه أن يتغيّر أيضاً. (٨)

قبل بضع سنوات، قام باحث يدعى جيم فاوست بعمل تجربة على مجموعة جرذان. (٩) وكما يمكنك أن تخمّن، فإنّ الجرذان عادة لا تحب رائحة موتاها. لكن فاوست وجد طريقة لتغيير هذه الغريزة. قام فاوست بوضع جرذانٍ ذكور لم يتزاوجوا سابقاً في أقفاص مع جرذان إناث تم رشّها بسائل له رائحة جرذ ميت ومتعفن. وحسب ما ظهر من هذه التجربة، فإنّ غريزة التزاوج كانت أقوى من غريزة تجنّب تلك الرائحة، ولذا تأقلمت الجرذان مع تلك الرائحة.

وبمجرد أن تعلمت الجرذان الربط بين تلك الرائحة وبين عملية التزاوج، قام فاوست بوضعها في أقفاص مع وضع قضبان معدنيّة تم إغساطها بنفس رائحة الموتى تلك. وقامت الجرذان بشكل مستمر باللعب مع تلك القضبان وكأنّها شيء يحببنه.

إن كنت تتسائل حول كيف يُمكن للجرذان أن تُدرّب لتكون قادرة على مخالفة هكذا غريزة قويّة، فإنّ الجواب هو “الدوبامين”. فبما أنّ الدوبامين يتم إفرازه خلال التزاوج، فإنّ أدمغة الفئران قامت بربط اللذة والسعادة التي سببها الدوبامين مع الرائحة المتعفنة.

يبدو ذلك مقرفاً جداً، أليس كذلك؟ إليكم إذاً هدفنا من ذكر هذه القصّة، تذكرون عندما قلنا أنّ الثديات جميعاً لها نفس مسار المكافئة في أدمغتها؟، لقد تم تغيير تفضيلات هذه الجرذان بنفس العمليّة التي يخوضها كثير من مشاهدي الأفلام الخلاعيّة عندما يشاهدون تلك الأفلام. (١٠) وغالباً ما تكون الصور التي يربط الدماغ اللذة الجنسيّة بها، مائلة لتصبح أكثر حدّة شيئاً فشيئاً. (١١)

في استبيان تمّ إجرائه عام ٢٠١٢ لأكثر من ١٥٠٠ شاب، قال ٥٦٪ منهم أنّ أذواقهم في الأفلام الخلاعيّة أصبحت: “حادّة ومتطرفة بشكل متزايد”. (١٢) ولأنّ أدمغة مشاهدي الأفلام الخلاعيّة بشكل متكرر تتأقلم سريعاً مع المشاهد التي رأوها سابقاً، فإنّ عليهم بشكل مستمر التحرك نحو أنماط أكثر حدّة من الأفلام الخلاعيّة حتى تتم إثارتهم عبرها. (١٣) وكنتيجة لذلك، وكما حصل للجرذان تماماً، فإنّ العديد ممن يشاهد الأفلام الخلاعيّة يجدون أنفسهم يثارون عبر أشياء كانوا عادة ينفرون منها أو أنّها تخالف مبادئهم الأخلاقيّة. (١٤)

وبمجرد أن يبدأوا بمشاهدة أفعال جنسيّة خطرة وحادّة، فإنّ هذا النّوع من مشاهدي الأفلام الخلاعيّة يتم تلقينهم أنّ هذه الممارسات هي ممارسات أكثر طبيعيّةً وشيوعاً مما هم عليه الآن. (١٥) وجدت إحدى الدراسات أنّ الأشخاص الذين يتعرضون لكميات معتبرة من الأفلام الخلاعيّة بدأوا يرون أنّ أشياءاً من مثل: الجنس مع الحيوانات والجنس العنيف هي أشياءٌ شائعة بمقدار الضِّعف من الشيوع الذي يراه أولئك الذين لم يشاهدوا الأفلام الخلاعيّة. (١٦) وعندما يؤمن الأشخاص أنّ سلوكاً معيّناً هو سلوك طبيعي، فمن المرجح عندها أن يحاولوا تجربته. (١٧)

وجدت الأبحاث كذلك أنّ مشاهدة أفلام خلاعيّة مهينة تزيد من السلوك المعادي والميال للسيطرة نحو النّساء، (١٨) وتجعل الشخص يشعر بتعاطف أقل مع ضحايا جرائم الاغتصاب. (١٩) يكون مشاهدي الأفلام الخلاعيّة ميالين نحو إظهار تصرفات تدعم العنف ضد المرأة (٢٠) وهذا الشيء مرعب بالخصوص، لأنّ أولئك الذين يدعمون العنف الجنسي من المرجح أن يرتكبوا ذلك النّمط من العنف في حياتهم الحقيقيّة. (٢١)

بالتأكيد ليس كل من ينظر للأفلام الخلاعيّة سيتحول إلى مغتصب؛ لكن الدراسات أظهرت أنّ حتى المشاهدة العاديّة لهذه الأفلام لديها القدرة على تغيير الأفكار والتصرفات، (٢٢) وتغيير السلوك بعد ذلك ليس بعيداً ذاك البُعد.

Comments (0)
Add Comment