أجل، لقد قرأت ذلك بشكل صحيح!. الأفلام الخلاعيّة تغيّر دماغك عضوياً.
واحد من أكثر التطورات إثارة خلال العقدين المنصرمين في فهمنا للدماغ هو اكتشاف شيء يدعى neuroplasticity، كلمة “neuro” تعني الدماغ وكلمة “plasticity” تعني قابليّة التغيّر. بعبارة أخرى، اكتشف العلماء أنّ دماغك هو مثل لعبة البناء بالمكعبات الهابطة، حيث يبني بشكل مستمر مسارات جديدة بناءاً على التجارب التي تخوضها. (١)
ولشرح مبدأ عملها، لعلماء الدماغ مقولة وهي: “النيورونات Neurons التي تشتعل سوياً، ترتبط سوياً”. (٢)
إذا كنت تتأمّل في ماهية هذا النيورون ولما هو مشتعل، إليك ما تعنيه هذه الجملة. النيورون هو خلية دماغية، وعندما يتم تفعيل خلاياً دماغيةً في وقت واحد بسبب شيء تراه، أو تسمعه، أو تشمّه، أو أياً كان السبب، تقوم الخلايا بإفراز مواد تساعد على تقوية الروابط بين هذه النيورونات Neurons. (٣) على سبيل المثال، عندما تتناول شيئاً لذيذاً، يُفرز دماغك الدوبامين Dopamine، وهو إفراز يمنحك شعوراً جيداً. (٤) أو لو أنّك أمسكت يد شخص تهتم لأجله، سيفرز دماغك شيئاً يدعى أوكسيتوسين Oxytocin، والذي يساعد على الارتباط بالنّاس. (٥)
إذاً في كلّ مرّة قمت فيها بزيارة عمّك “علي”، وقام فيها بمعانقتك وأخذك معه لتناول البوظة، فمن المرجح أنّك عندها ستشعر بشعور عظيم نحو عمّك “علي”، بما أنّ دماغك سيقوم ببناء مسارات تربط عمّك “علي” بالشعور بالسعادة والمحبة. ولديك من هذا النوع من المسارات الدماغية لجميع الأشياء: الركوب على الدراجة، تناول السندويشة، مداعبة الحيوانات الأليفة. وعندما يشاهد المرء الأفلام الخلاعيّة، يقوم الدماغ بعمل مسارات لذلك أيضاً. (٦)
وكما بالنسبة للمواد التي تسبب الإدمان، تقوم الأفلام الخلاعيّة بإغراق دماغك بإفرازات الدوبامين Dopamine. (٧) لكن بما أنّ دماغك يرزخ تحت العبئ الثقيل لهذه الإفرازات المستمرة والتي تتأتى من المشاهدة المستمرة للأفلام الخلاعيّة، فإنّه يقاتل ويبدي رد فعل عبر التخلّص من بعض مستقبلات الدوبامين في الدماغ (٨)، والتي يُمكن تشبيهها بأذن صغيرة تقع في ذيل النيورون وتسمع لرسالة الدوبامين.
مع مستقبلات أقل، حتى لو كان الدماغ يفرز نفس المستويات من الدوبامين تجاوباً مع مشاهدة الأفلام الخلاعيّة، فإنّ الشخص لن يشعر بتأثير الدوبامين بالقدر الكافي. (٩) وكنتيجة لذلك، فإنّ الأفلام الخلاعيّة التي كان يشاهدها لن تبدوا بنفس الإثارة والجاذبيّة، عندها يذهب مشاهدوا الأفلام الخلاعيّة للبحث عن المزيد من هذه الأفلام، أو البحث عن أفلام ذات طابع أكثر حدّة للحصول على التأثير الذي كانت توفره الأفلام القديمة. (١٠)
وبالنسبة لمن يتردد على هذه المواقع بشكل متكرر فإنّ الدماغ يتأقلم مع المستويات الجديدة من الدوبامين التي تضخ إليه، وتمسي النشاطات الاعتياديّة التي تسبب -في الأوضاع الطبيعيّة- إفرازاً مفاجئاً للدوبامين يجعل الإنسان يشعر بالسعادة، غير كافية لتسجيل مثل هذا الأثر بعد التأقلم الجديد، تاركة مدمن الأفلام الخلاعيّة للشعور بالإحباط كلّما ترك مشاهدة الأفلام الخلاعيّة لفترة معيّنة. (١١) وهذا أحد الأسباب التي تجعل لمشاهدة الأفلام الخلاعيّة قابلية الإدمان بشدّة. (١٢)
وبمجرّد أن يستقر الإدمان في المرء، تظهر مجموعة أخرى من المشاكل، لأن الإدمان يُفسد جزء الدماغ الذي يجعلك تقلّب الأمور وتقوم بعمل اختيارات جيّدة، يُفسد نظام وضع الحدود في الدماغ. (١٣) ولمدة تزيد عن العشر سنوات، أظهرت الدراسات أنّ الإدمان على المخدرات يمكن أن يتسبب بإنكماش في الفص الأمامي للدماغ. (١٤) وقد يبدو مصطلح “الفص الأمامي” مصطلحاً علمياً بحتاً، لكنّه ببساطة الجزء المسؤول عن حل المعضلات المنطقيّة واتخاذ القرارات. (١٥) لكنّ الدراسات الأخيرة أظهرت أن ليس للمخدرات فقط مثل هذا الأثر والضرر، فمثل هذه المشاكل تظهر مع أنواع أخرى من الإدمان كالإدمان على الطعام والشهية الزائدة، والإدمان على الإنترنت، والشهوة الجنسية المفرطة. (١٦)
وإليكم الجزء الأكثر إرعاباً: كلما شاهد المرء المزيد من الأفلام الخلاعيّة، كلما أصبح الضرر أشد خطراً وقوّة لدماغه، وأصبح التحرر بالنسبة له أصعب. (١٧) لكن هناك أخبار جيّدة أيضاً: مرونة الدماغ Neuroplasticity تعمل في الاتجاهين. وهذا يعني أنّ الضرر الحاصل للدماغ يمكن التراجع عنه عندما يتخلّص الشخص من العادات الغير صحيّة التي كان يقوم بها.