وقد انعكست هذه الأحداث (الاغتيالات) على المرجعيات الدينية في النجف الأشرف سلبا، بمعنى إن عزلتها أصبحت شبه تامة، ولم يبق منها إلا الاسم فقط، وقد انقطعت عن أي وظيفة من وظائف المرجعية,ما عدا قبض الحقوق الشرعية، فالدرس الذي كان يعطيه السيد السيستاني في بحث الخارج (الفقه) قد توقف عنه بعد استشهاد الصدر بما يقرب الثلاثة أشهر، وتحديدا يوم 20 صفر 1420 واستمر الانقطاع إلى يومنا هذا.
وقد أصبح هذا الانقطاع مسوغا عند المجتمع بقتل من كان متصديا لبناء المجتمع، وهذا هو غرض الحاكم الجائر من القتل، أي إن الحكومة لا تريد للحوزة العلمية أن تتدخل بالشأن السياسي أو غيره من شؤون البلد الذي يعد من التهديدات الصارخة لوجود الحكام الظلمة.
وبهذه الطريقة غُيب الدور الأساسي للعراق في قيادة العالم الإسلامي ــــ لعدم وجود المرجعية الحركية الناطقة ـــــ وبروز عواصم علمية أخرى كقم المقدسة، على أساس خلو النجف من القيادات الدينية التي يمكنها أن تقود المجتمع العراقي والعالمي.
قد يظن بعضهم أن النظام ألبعثي كان يدعم المرجعيات العربية وخصوصا العراقية منها لأجل ضرب المرجعية من الجنسيات الأخرى وخصوصا الإيرانية.
والحقيقة إن هذا الظن ليس في محله؛ لان الواقع يثبت أن الحكومة فسحت المجال لكثير من المرجعيات وهي من جنسيات أخرى غير العراقية. والحقيقة إنهم يدعمون من ينفذ إرادتهم وغاياتهم وليس مهماً إن كان عربيا أو غيره. يذكر الفريق طاهر جليل الحبوش وقد شغل منصب مدير المخابرات العراقية إلى وقت سقوط النظام، ولا يخفى انه مجرم سفاح، في مذكراته :
(كنت زائراً مداوماً للسيد السيستاني سواء بتوجيه من الرئيس صدام حسين أو بمبادرة شخصية مني وذلك لتفقده وتقصّي أحواله عسى أن يكون بحاجة لأمر ما من الدولة, وكان يقابل ذلك دائماً بالدعاء لرئيس الجمهورية. وفي إحدى زياراتي له تفضّل بإهدائي قرآناً وسجادة صلاة من حرير كاشان. وقد تعاملت الدولة معه بهذا التقدير العالي احتراماً للإجماع على مرجعيته برغم أن إنتاجه العلمي والفقهي يُعتبر ضحلاً فيما لو قورن بمثيله لدى بعض المجتهدين كالمرجع الشهيد محمد صادق الصدر والسيد محمد حسين فضل الله مما يعطي سبباً للإعتقاد بأن السيستاني قد جرى إعداده لِلَعب دور خطير).
كما لا يخفى كيفية حصول بشير الباكستاني على الإقامة رغم أن الصدر الثاني هو من أوكلت إليه مسؤولية تجديد الإقامة للطلبة الأجانب، كما كانت قبل ذلك موكولة لأبي القاسم الخوئي. فعلى الرغم من أن الصدر لم يعطه الموافقة على تجديد إقامته إلا أن الدولة أصرت على بقائه وتجديد إقامته.
يقول الصدر الثاني بهذا الخصوص : ( أنا قلت له مباشرة بأنني لا استطيع أن أوقع لك؛ لان تكليفي الشرعي يقتضي أن لا أوقع له، قال : لماذا؟، قلت له بأنه إذا قلت لك لماذا، تحصل مفسدة، والآن أيضا أقول إذا قلت السبب الحقيقي الذي اعرفه بيني وبين الله تحصل مفسدة، ولكنني أعطي على ذلك الدلالات وهي تدل على ما في نفسي، بمعنى هذا الشيء الذي تعرفه وما خفي عليك أكثر في الحقيقة، إن الشيء الذي اعرفه أكيدا على أن هذا الشيخ يوصل إلى كثير من الوكلاء في العراق في المدن العراقية أموال طائلة جدا ربما تعد بالملايين وتقضى بها الكثير من حاجات الناس في البصرة وفي الزبير وفي القرنة وفي الناصرية وفي العمارة…. الخ، محل الشاهد مع العلم على انه ليس له مُقلد وربما ولا واحد، لا نعلم أن له مقلدا ولا واحد فمن أين تأتيه هذه الأموال؟، مع العلم انه مستمر على ذلك ردحا طويلاً من الزمن، مضافا إلى أن ثقات ذكروا ـــ أكثر من ثقة ــ عدد من الإخبارات وصلت ـــ على انه له عقارات وله أراضي وله بساتين وله حيوانات وأبقار…. الخ موجودة، فمن أين حصل على هذا المال؟، محل الشاهد الشيء الآخر الذي ينبغي روايته انه بعد يومين من تاريخ عدم التوقيع لو صح التعبير رن جرس التلفون في بيتي في الحنانة وقيل لي أن محافظ النجف يتكلم معك فقال : السلام، قلت له وعليكم السلام، قال كيف حالك سيدنا، قلت له : الحمد لله، المحافظ يقول: أنا سمعت بأنك لم توقع ـــ ما مضمونه ـــ انه لم توقع للشيخ بشير، فقلت له نعم، قال : لماذا، فذكرت له بعض الأمور التي يناسب المقام ذكرها وطبعا الواقع لا يمكن التصريح فيه، قال لي : على أية حال الدولة فحصت عن الأمر وعزمت على إبقائه فانا أنصحك وأقول لك بأنك توقع على ورقته ، قلت له : هذا أمر أم اقتراح ونصيحة، قال : لا، اقتراح وليس أمر، قلت له : إذن تعفيني، وانتهت المكالمة ولم أوقع له إلى الآن لكنه أنتج نتيجة جيدة، نفس تلفون المحافظ أنتج نتيجة جيدة، لأنني قلت بعد ذلك بصراحة ووضوح على انه إذا بقي فالحق معي، وإذا سافر فالحق معه إذن أنا ظالم له، وبقي إذن الحق معي وهو من الناحية تبع للفلانيين والفلانيين ليس أكثر من ذلك، إذن فأنا إن شاء الله لم أخالف تكليفي الشرعي من هذه الناحية إطلاقا).
ومما يؤكد كلام الصدر ويؤكد دعم الحكومة للمراجع من غير الجنسية العراقية أو العربية ما ذكره الحبوش بخصوص الشيخ الباكستاني:
(زرت في العام 2000 المراجع الكبار في النجف ومن بينهم آية الله بشير النجفي , وسألته مداعباً عن استبدال لقبه النجفي بالباكستاني , فرد عليّ أنه يعشق النجف ويُلقّب بالباكستاني لأنه لم يحصل على الجنسية العراقية. ولدى عودتي إلى بغداد حررت رسالة إلى الرئيس صدام حسين بينت له فيها رغبة آية الله الباكستاني بالحصول على الجنسية العراقية , وقد جاء الجواب بعد أيام على شكل مرسوم جمهوري يلبي للشيخ رغبته).
والنتيجة إن العراقي أزيل من الساحة وظل في النجف من هو ليس عراقياً ولا عربياً، فكيف يظن أن حكومة صدام تدعم المرجع العربي!.
عملت الحكومة على القضاء على كل من كان ناشطا في زمن الصدر أما باعتقاله وأما بالتضييق عليه والنتيجة توقفه عن التحرك الذي كان عليه سابقا.
فهذا الإرهاب الذي مارسته الحكومة لقمع الحركة الإسلامية بات يهددها بشكل واضح.
وبين الإرهاب الحكومي وسكوت المراجع الكلاسيكيين بات من الضروري وجود من يتصدى لمواجهة هذه الحكومة الطاغية لإفشال كل المخططات التي تهدد الوجود الإسلامي الواعي، لكن يجب أن تتوافر صفات معينة بمن يقوم بهذه المهمة الخطيرة، حتى يتمكن من العمل وسط هذه الظروف العصيبة.
إن كل قائد حركة إسلامية وخصوصا إذا كانت الظروف حرجة جدا لوجود حاكم ظالم جائر، لا بد أن يكون من طراز خاص حتى يستطيع أن يقود ويؤثر؛ لان الحركة الإسلامية إذا كانت واعية ومنظمة وخطواتها محسوبة ومدروسة فإنها ستهز عروش الظالمين، وهذا لا يرضى الظالمين به بطبيعة الحال. فيلجأون لاستعمال كل الوسائل المتاحة لمنع حركة هذا القائد من الاستمرار.
الشيخ عبد الهادي الزيدي -دام عزه / من كتاب تاريخ الحركة الاسلامية .