المتأسلم في الوسط الشيعي إنموذجاً
لا يخفى على العاقل الواعي والمتتبع لأحداث التاريخ الإسلامي ، مدى تأثير الوعي والتفقه والعمل بمبادئ الإسلام على عكس الصورة الناصعة والحقيقية للإسلام المحمدي الأصيل . تلك الصورة التي أبدع في إخراجها وحبك موضوعة الخُلق والتطبيق الواعي للمفاهيم التي جاء بها دين الإسلام أهل البيت صلوات الله عليهم وعلى جدهم الأكبر الرسول المعظم محمد صلوات الله عليه وآله ، فجاءت أقوالهم كاشفة عن حقيقة هذا الدين الإلهي الشريف أمثال ( إنما بعثتت لأتمم مكارم الأخلاق) ومصاديق أخرى ( وهل الدين إلا الأخلاق ) ( وهل الدين إلا الحب ) ( وهل الدين إلا السلام ) ( وهل الدين إلا احترام الرأي والرأي الآخر ) ( وهل الدين إلا التطبيق الواعي ) ( وهل الدين إلا الابتعاد عن التشنج والعصبية ) ( وهل الدين إلا نفي صنمية الرموز ) ( وهل الدين إلا ترك التعلق بالدنيا ) ( وهل الدين إلا الكون على حالة صحيحة واعية واحدة وترك التلون ) ( وهل الدين إلا ترك الرياء ) .. والكثير من المصاديق الأخرى ، فاقترن القول بالعمل والعمل بالتصديق والتصديق باليقين واليقين بالحقيقية والحقيقة بالوصول إلى الغاية ونيل المطلب الأسمى .. وليس بالادعاء والتمني والتلون بالتشدق والتهريج بالعبارات الفضفاضة التي لا يطيقها قائلها في كثير من الأحيان لأنها تكون فاضحة لحقيقته المزيفة المُدّعاة ، حيث رد القرآن الكريم على أمثال هؤلاء المتلونين والمدعين لما ليس لهم بالقول المبارك : ((قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا ۖ قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)) … ولعمري فيا ليت هؤلاء قد قالوا (آمنا) حتى نعدهم مسلمين … بل عدوا أنفسهم الأعلون وان لا احد يدانيهم في الفقه والعلم ورجاحة العقل وإتباع القيادات المزيفة الموهومة .
فنرى هؤلاء قد أطبق عليهم الجهل ولفهم بين اذرعه وانقفلت عقولهم على الكذب والخداع والإتباع الأعمى ، قد تأشب الرياء قلوبهم ، فكانوا علماء ولكن بالخداع والجهل ، وكان احدهم يتشدق بالكلام ويتفيهق ولكن بعبارات سرعان ما يلفظها غاصاً بها لأنها (كبيرة عليه) ( لا يدرك معناها) ( قد لقنت له سلفاً ) ، منطقهم القول بالقوة والتهجم على الحق ، والنعيق مع الباطل بجهل مركب مقيت ، فكان لسان حال من يريد هدايتهم وإرشادهم تصريح النبي نوح (ع) وبثه شكواه لربه قائلاً : (( قَالَ نُوحٌ رَّبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَن لَّمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَاراً )) و قوله : (( وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَاراً )) … فكلما ناقشهم احد ختم حديثه بقول أمير المؤمنين (ع) (( حدثت العاقل فغلبته ، وحدثت الجاهل فغلّبني )) .. فيا ليت قومي يعون خطورة الوضع الراهن ، ويدركون ارهصات ريح الرحمة القادمة فلعلهم يلفظون جهلهم ويبدأون بالبحث عن مفاتيح أقفال عقولهم …