بالعودة إلى خمسينيات القرن المنصرم، قام باحثان وهما الدكتور نيكولاس تينبيرغن والدكتور مانغوس، بتنفيذ خدعة على مجموعة من الفراشات. (١) فبعد أن قاموا بتشخيص العلامات على أجنحة أنثى الفراش التي تثير الذكور أقصى إثارة، قاموا بصناعة فراشاتهم الخاصّة من ورق اللعب، وصبغوها لتبدوا كفراشات ذات جاذبيّة فوق طبيعيّة؛ حيث صبغوا أجنحتها بنقشات تشبه تلكم الموجودة عند الفراشات العاديّة، لكن مع علامات أكثر إثارة من أي شيء وُجد في الطبيعة.
وقد خُدعت الفراشات فعلاً. فعلى الرغم من وجود أنثى الفراش الحقيقي، إلّا أنّ الذكور بقت تحاول الاقتران مع النّسخة الورقيّة من الفراش. وعلى الرغم من أنّها لم تكن تعطيهم ما يريدوه -وهو الفرصة للتزاوج- لكنّ الخدعة انطلت عليهم، وبالتالي تجاهلوا أنثى الفراش الحقيقي وبقوا يحاولون بشكل مستمر إثارة إعجاب الفراش الورقي المضلل.
هل يبدو أي من هذا مألوفاً لديكم؟
في الأفلام الخلاعيّة، فإنّ كل شيء: من مظاهر النّاس، والطريقة التي يمارسون فيها الجنس، ليس بأكثر مصداقيّة من نسخة د.تينبيرغن من الفراش الورقي!. وكما تم خداع الفراشات، فإنّ رواد الأفلام الخلاعيّة عادة ما يصبحون مهووسين بملاحقة شيء ليس بحقيقي، بينما يتأخرون في علاقاتهم الحقيقيّة.
وبفضل فرق من مجري الجراحات التجميليّة البلاستيكية وبعض المساعدة من برامج كـ Photoshop، فإنّ المرأة في الأفلام الخلاعيّة لا تبدو كالمرأة في العالم الواقعي بأي درجة من الدرجات، وبشكل خاص لأننا جميعاً نشيخ ونكبر، بينما تبقى الصور الخلاعيّة دون أن تشيخ أبداً. (٢) وكنتيجة لذلك، فإنّ أولئك الأشخاص الذين يتعرضون للمشاهد الخلاعيّة بشكل متكرر، احتمال شعورهم بشكل سيء حول مظهرهم أكبر. (٣) وحتى بعد النّظر للمشاهد الخلاعيّة الأقل عنفاً وحدّة، فإنّ المتعرضين لهذه الأفلام يشعرون بشكل أكثر سوءاً حول مظهر رفقاءهم. (٤)
وآثار الوهم والخيال أكثر عمقاً من النّظر إلى الظاهر فقط. ففي معظم الأفلام الخلاعيّة، قيمة الإنسان الوحيدة هي مجموع أجزاء جسمه؛ (٥) وليس مهماً فيما إذا كانوا مرحين أو أذكياء، لطيفين أو مسلين، فكل ما هم عليه أنّهم أدوات للجنس. وليس من المستغرب بعد هذا كون المراهقين والشبان بعد مشاهدتهم للمشاهد الخلاعيّة، يزداد شعورهم بكون المرأة أداة مخصصة للجنس فقط. (٦)
حتى أنّ التصورات حول العمليّة الجنسيّة نفسها تتشوه بشكل كامل. فمقطع الفلم الخلاعي التقليدي الذي يدوم لـ ٤٥ دقيقة يحتاج لثلاثة أيّام كي ينتج على أقل تقدير، بينما يتصور المشاهد أنّ كل ما يحصل يحصل بشكل متواصل دون أي توقفات. (٧) وفي الفلم الخلاعي تبدو الأمور وكأنّ الرجل مهما فعل، فإنّ المرأة التي معه يجب أن تكون مرتعبة، على الرغم من أنّ السبب وراء ذلك أنّ معظم الأفعال التي يعرضونها هي مهينة وعنيفة. (٨)
قد يبدو من المثير والمسلي الاعتقاد بأنّ الأفلام الخلاعيّة هي نوع من أنواع الممارسات الجنسيّة، وليست أفضل أو أسوأ من أي تجربة جنسيّة أخرى. ففي النّهاية، إنّ الشعور يبدو مشابهاً نوعاً ما. لكن حواسنا بإمكانها خداعنا.
لنقل أنّك على سبيل المثال، أنهيت للتو مشوار ركض لعشرة أميال في يوم حار. ودخلت إلى الداخل لتجد كأسي ماء على طاولة المطبخ، أحدهما هو ماء عادي من الحنفيّة؛ بينما الآخر هو ماء مالح. قد يبدو الكأسان متشابهان، وكلاهما يحوي الماء، لكن أحد الكأسين سيروي عطشك، بينما سيتركك الآخر أكثر عطشاً من ذي قبل. ومع مرور الوقت، بينما سيحافظ الماء العادي على حياتك، سيسرع الماء المالح في مقتلك مما لو لم تشرب منه على الإطلاق. (٩)
الأمر هكذا تماماً بالنسبة للعلاقات الحقيقيّة والأفلام الخلاعيّة. لماذا؟ لأنّ الأفلام الخلاعيّة عبارة عن كتلة هائلة مليئة بأفكار واعتقادات معاكسة بشكل كامل لما عليه العلاقات الحقيقيّة، وطبيعة الجنس، وما عليه الحب الحقيقي كما أسلفنا في موضوعات سابقة وسيأتي في موضوعات لاحقة. العلاقات الصحيّة تبتني على المساواة، والإخلاص، والاحترام، والحب. لكن في الفلم الخلاعي فإنّ الأمور تبدو معكوسة؛ وتعتمد الارتباطات على السيطرة، وعدم الاحترام، والإساءة، والعنف، والتفكك. (١٠)
حتى أنّ تجربة مشاهدة الأفلام الخلاعيّة هي النّقيض الكلي لما عليه العلاقات الحقيقيّة. فعلاقة الحب الحقيقية هي حول التواجد مع شخص حقيقي ومنحه الحب الذي يحتاج، وهي حول الارتباط العاطفي والشعور بالأمان، وفي العلاقة الحقيقيّة يمكنك الشعور بالشخص أمامك، يمكنك شمّ رائحته وسماع ضحكته، والمتعة الجنسيّة مرتبطة بالمشاركة في كامل أجزاء العلاقة. أمّا في الأفلام الخلاعيّة فإنّ الحال معكوس، فالإثارة تحصل بالتواجد وحيداً، ومشاهدة أشخاص آخرين يعملون أشياءاً، وتدور حول البحث بشكل مستمر حول أشياء جديدة، وحول حصول الصدمة والمفاجأة بشكل مستمر. (١١)
وكلّما تأثر الفرد بالأفلام الخلاعيّة والأفكار التي تبثها، سيكون من الصعب على الفرد خوض علاقات حب حقيقيّة (راجع الحلقة السابقة) أو حتى حياة جنسيّة سليمة (انتظر الحلقة القادمة).
وكما تعلمت الفراشات الدرس، فالأفلام الخلاعيّة ليست خادعة ومضللة فقط، لكنّها قد تبعدنا عن خوض العلاقات الحقيقية التي يحاول الفلم الخلاعي محاكاتها. يبدو أن التزاوج مع قطعة من ورق اللعب ليس بهذه المتعة والإثارة في نهاية الأمر!
بحث مترجم عن موقع: www.fightthenewdrug.com