بسم الله الرحمن الرحيم
إلى طلبة الحوزة العلمية الشريفة
قال أحد العرفاء النجف ترابها نور..
والمعرفة النور، فاعلموا أنكم في بحر المعرفة الذي تطفح ضفتاه[1] علماً وخيراً.
وهي الأرض المباركة التي بارك الله فيها للعالمين[2] وملتقى النفوس التي تتتابع وتتواصل فيها بالخيرات[3]، ولأهل البرزخ والآخرة سهم فيها[4]، يعايشون أهلها ويتواصلون معهم من حيث لا يشعر أهل الدنيا.
ودفن في النجف مئات الأنبياء والأوصياء (سلام الله عليهم) وهؤلاء لم يموتوا ولم تبل أجسادهم، ولم ينته نورهم، وليسوا رميماً يطؤه الناس ويعلوه التراب، بل هناك عالم مواز لهذا العالم ومهيمن عليه يصافحون فيه المؤمنين ويسلمون عليهم فيه[5] ويعلّمونهم وينصرون أولياء الله[6].
بل يمكننا القول أنها أقرب للملكوت منها إلى عالم المادة[7].
وليس الأمر غريباً ولا مستهجناً ويكاد يفهمه أهل الفيزياء أكثر من كثير من الشيعة الذين قد يحسنون الظن فيؤمنون به تصديقاً ويجهلونه تصوراً.
ففي الفيزياء الحديثة أثبتوا بالتجربة تأثير الوعي والقصد على سلوك الجسيمات دون الذرية كما في تجربة الشق المزدوج وغيرها [8]، فكان سلوك الإلكترونات موجياً في التجربة إذا لم ترصد قرب الشك المزدوج فإذا أرادوا رصد سلوكها تغير سلوكه إلى سلوك دقائقي حتى أدخل بعض العلماء الوعي ضمن عناصر التجربة، وظهرت نظريات[9] تجعل عالم الوعي هو العالم الذي يحكم سلوك العالم الخارجي المحسوس. وهو كذلك فلا شيء غير كلمات الله وأسمائه.
بل لم يستطع علماء الفيزياء الحديثة إثبات المادة[10] بل اقتصروا على تقنين سلوكها، وتبين لهم ولنا أن سلوكها يتأثر بالوعي، ولا مانع من تصورنا أن حقيقة المادة متأتية من الوعي وليس فقط سلوكها، وأن الوعي أصل كل العالم وأن معدن الوعي منطوٍ في نفوسكم، كما في الأحاديث الشريفة أن (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر خلقه الله ثم اشتق منه كل خير) ثم يصف الحديث مقامات النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأهل بيته وكيف خُلق المكان والزمان منهم وكيف نزلوا في هذا العالم فاشتق كل شيء منهم (سلام الله عليهم)[11].
فالمؤمنون في النجف لهم الاتصال بجميع نفوس المؤمنين وبإمكانهم الدعاء والهداية والتأثير في كل العالم بشفاعة أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهو عين صاد التي يشتق منها كل ذِكر، وكل خير وكل موعظة وتذكرة[12]، وهو معدن التوحيد وركنه وتجلياته في قلوب المؤمنين.
فاعرفوا أين أنتم يا طلبة العلم وما الذي تقصدونه، وأعلموا أنكم في عين أهل السماء، ولا عين لأهل الأرض.
ولتكن كل أعمالكم طاعةً لله تعالى لتكون قلوبكم نوراً ويكون سمعكم نوراً وبصركم نوراً وتكونوا نوراً.
وقد عرف هذا الحق لهذه الأرض أناس أتقياء وعلماء أوفياء لا تزال أمثالهم في القلوب موجودة، ولهم الشفاعة[13] في جميع من تعلق بهم واحترم حقهم.
يُنقل عن السيد السبزواري (قدس سره) أنه دخل ذات يوم إلى الحضرة الشريفة لسيد الموحدين فوجد أربعين مجتهداً في ساحة السحر من شهر رمضان كلهم يدعون بدعاء أبي حمزة الثمالي في دعاء الوتر، ثم قال: (وقد ذهب أولئك الأبرار، وآلت الأمور إلى ما هي عليه اليوم من التعلق بالماديات، ولن ترجع النجف إلى سابق عهدها إلا بالرجوع إلى المعنويات..).
فعليكم أيها الإخوة العودة بمدرسة النجف الأشرف إلى ذلك العالم ومصافحة الأنبياء ومعايشة الملائكة والأبرار، وتحقيق الهداية لأهل الأرض جميعاً؛ بالزهد في الدنيا والتواضع لله ليرفعكم اسم الله في سماء المعرفة، وعليكم التوجه إلى الآخرة وطلب العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله لتلتحقوا بقافلة أمير المؤمنين وقائد الغر المحجلين ولتكون لكم منابر من نور ليست كالأعواد التي تنصب في الخرائب ويُسَبُّ فيها الأولياء.