بسم الله الرحمن الرحيم
موضوعنا في هذا البحث مصطلحي الاصلاح، والتغيير وما يقابلهما وهو الجمود والتحجر ووفق النص القرآني {وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّقْتَدُونَ}”الزخف 23″.
هذه المصطلحات القرآنية التي جاء ذكرها في اكثر من آية ..
{إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} “الرعد 11″
{ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}”الانفال 53″
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ}”هود 88″
{وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}”هود 117″
{إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}”الاعراف 170″
{وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَ}” الاعراف 85″
{وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَقَ نَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ}”الصافات 112″
{إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}” النساء 114″
يقابل هذه المصطلحات الاصلاح، التغيير، في مصطلحات العصر السياسية والاجتماعية هي، التنمية، التطور، البناء، التقدم، في مقابل الجمود التحجر، المحافظة.
وعلى اساس هذين المصطلحين ومدلولهما يمكن تقسيم الحركات الاجتماعية والسياسية الى حركات اصلاحية تقدمية ثورية او حركات محافظة يمينية.
والتقسيم هنا محوره ان الحركات الاصلاحية التغييرية او الثورية، ترفض الواقع في بعض ابعاده سواء كان سياسياً او قيمياً او نظاماً اقتصادياً، او حقوقياً، او اجتماعياً ، وتدعو الى تغييره وتبديله وتقوم بعملية مواجهة للواقع ورجالاته، ورموزه ومؤسساته.
فيما تعد الحركات المحافظة انها تريد ان تحافظ على قيم المجتمع ونظامه الفعلي واسسه وقواعده الاقتصادية والسياسية وغيرها.
لذا فموضوع الاصلاح والتغيير في عمقه يبحث عن التحولات الاجتماعية وما هي معالم التحول، وما هي ركائز التغيير، ومن جانب اخر يبحث في شكل الاصلاح والتغيير والتبدل، هل هو تدريجي، تكاملي، ام هو دفعي، أي بتعبير اليوم هل هو اصلاحي ام ثوري وكذا ينبغي التوقف عند الهدف ووجهة التحولات والتبدلات الاجتماعية ، هل هي تكاملية ونحو الافضل والاحسن، ام يمكن ان يكون تغييراً لكن نحو الاسوء، وبالمحصلة هل هناك وجهة وهدف تسير نحوه المجتمعات وفق السنن التاريخية والصيرورة الاجتماعية ام انها حركة ليست نحو الامام دائماً وبالضرورة .
اذن فان الاسئلة التي سوف يتناولها البحث هي:
ـ دعوات الانبياء والرسل في القرآن الكريم هل هي دعوات اصلاحية ام محافظة؟
ـ متى تكون الدعوات اصلاحية، ومتى تكون محافظة؟
ـ أي الجوانب التي يسعى القرآن الكريم في معرض استعراضه لسيرة الانبياء الاشارة اليها كنقاط مهمة في عملية الاصلاح والتغيير؟
قبل الاجابة عن هذه الاسئلة سوف يكون منهجنا في البحث هو استعراض لمنهج القرآن الكريم للتعامل مع هذين المصطلحين وطريقة استخدامهما، وما يمكن استخلاصه من نكات.
الاصلاح لغة:
الاصلاح والصلاح مصدر (صلح) الشيءُ يصلح اصلاحاً يقال فيه [صَلَح] صُلوحاً من باب فقد، وصَلُح بالضم لغة خلاف فسد، فصُلح واصلح اتى بالصلاح وهو الخير والصواب ويقال في الامر مصلحة أي خير، واصلحتُ بين القوم: وفُقت والاستصلاح نقيض الاستفساد وقال الجرجاني (الصالح الخالص من كل فساد).
الاصلاح في القرآن الكريم:
بقول الراغب الاصفهاني في بحثه عن هذا المصطلح ومدلوله في القرآن:
صلح: الصلاح ضد الفساد وهما مختصان في اكثر الاستعمال بالافعال وقوبل في القرآن تارة بالفساد وتارة بالسيئة، قال (خَلَطوا عملاً صالحاً وآخر سيئاً ـ ولا تفسدوا في الارض بعد اصلاحها ـ والذين آمنوا وعملوا الصالحات).
والصُلحُ يختص بإزالة النفار بين الناس يُقال منه اصطلحوا وتصالحوا [إن يُصلحا بينهما صُلحاً ـ والصُلحُ خير ـ وإن تُصلِحُوا وتتقوا ـ فاصلحوا بينهما ـ فاصلحوا بين اخويكم]” مفردات الراغب ص284″.
واما التغيير، فيقول الراغب من صفحة 368، والتغيير يقال على وجهين احدهما: لِتغيير صورة الشيء دون ذاته، يقال غيرت داري، اذا بنيتها بناء غير الذي كان، والثاني لتبديله بغيره نحو غيرّتُ غلامي ودابتي إذا ابدلتهما بغيرهما نحو {إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ} “الرعد 11”.
مداليل مصطلح الاصلاح في القرآن الكريم:
تحت كلمة صَلحَ، واستعمالاتها المختلفة فقد وردت في القرآن الكريم ضمن هذه الاستعمالات:
صَلحَ: {جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ}”الرعد 23″
اصلح: {فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}”انعمام 48″
اصلحا: {فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمً}”نساء 16″
اصلحَوا: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}”النور 5″
تصلحوا: {وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمً}”النساء 129″
يُصلحُ: {إِنَّ اللّهَ لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ}”يونس 81″
يُصلحون: {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}”الشعراء 152″
اصلحْ: {وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}”الاحقاف 15″
اصلحوا: {فَاتَّقُواْ اللّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ} “الانفال 1″
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ}”الحجرات9”
{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} “الحجرات 10”
الصُلح: {وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ} “النساء 128″
صالح: {قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ}”هود 46″
صالحاً: {فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحً}”كهف 110″
{وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحً}”فصلت 33″
الصالحون: {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}”الانبياء 105″
الصالحين: {تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ}”يوسف 101″
{وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنَّهُمْ فِي الصَّالِحِينَ}”العنكبوت 9″
الصالحات: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ }”يونس 9″
إصلاح: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ }”البقرة220″
{إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ }”النساء 114″
{إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ }”هود 88″
اصلاحها: {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا }”الاعراف 85″
مصلحون: {قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ}”البقرة 11″
المصلحين: {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}”الاعراف 170″
بعد هذا الاستعراض للاستعمال القرآني للمصطلح وتصريفاته المختلفة، يمكن ان ندرج هذه النكات:
ـ كثرة الاستعمال:
تناول القرآن هذا المصطلح وتصاريفه مرات كثيرة ويعتبر بذلك انه كثير الترداد والاستعمال، ومن المصطلحات الشائعة في الفكر الاسلامي، بل من الاوصاف والمقامات التي تصف بها الاعمال والاشخاص، وهو مقام، يتوسل الى الله ببلوغه، كما ان الايمان لم يرد في القرآن الا مقروناً بالعمل الصالح، فالصلاح، والصالح، والصالحين مظهر سلوكي وعملي يجسد معنى الايمان.
والرجوع الى المفردات المستعملة في التراث الاسلامي والفكر المعاصر نجد استخدامات مختلفة لهذا المصطلح، مثل امة صالحة، الجماعة الصالحة، اهل الخير والصلاح.
وكما اشار الراغب فالصلاح صفة للاعمال.
ـ شمول المصطلح للشؤون الفردية والشؤون العامة
ان موضوع مصطلح الاصلاح تارة يتناول الشؤون الفردية التي تتعلق بالسلوك الشخصي سواء في منازعات عائلية او مع اخرين {فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}”البقرة 182″
او يكون موضوعها يتعلق بالشؤون الاجتماعية والعامة والتي تتعلق بمصالح الامة لاحظ قوله تعالى: {الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}”الشعراء 152″ وغيرها وهنا الموضوع اعم والجهة المخاطبة فيها عموم المؤمنين.
لقد تلازم ذكر مصطلح الاصلاح في كثير من الآيات مع التوبة والبر والتقوى وخاصة تلك الآيات التي تتعرض للشؤون الفردية، {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}”النور 5″، {يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمً}”الاحزاب 71″ {أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ}”البقرة 224”.
ـ تضمنه لعلاج الخلل والفساد
وهنا يحمل مصطلح الاصلاح مدلول التصحيح والتعديل، واصلاح ما فسد او فات، والذي هو شرط التوبة، ومستلزمات العلاقات الاجتماعية، فالاعتذار او الندم، او تشخيص الخطأ، او تحديد الفساد او المفسد، كلها امور جيدة لكنها ناقصة ولا تمثل المطلوب، وانما بعد الاعتذار وتشخيص الخطأ، والندم، يستلزم العمل للتعويض عما كان لاصلاح الخلل، وتعديل الاعوجاج، سواء على صعيد الانسان مع نفسه او في علاقاته مع الاخرين او في امور المجتمع، ومن هنا يعتبر الاصلاح حالة متقدمة ومقام خاص لان الاصلاح يمثل كل هذه الحالات، من تشخيص الخطأ، والندم، واخيراً العلاج، والاصلاح، لاحظ قول امير المؤمنين: [أتدري ما الاستغفار ان الاستغفار درجة العليّين، وهو اسم واقع على ستة معانٍ أولها الندم على ما مضى والثاني العزم على ترك العود اليه ابداً والثالث ان تؤدي الى المخلوقين حقوقهم والرابع ان تعمد الى كل فريضة ضيعتها فتؤدي حقها والخامس ان تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد والسادس ان تذيق الجسم ألم الطاعة كما اذقته حلاوة المعصية، فعند ذلك تقول استغفر الله] “شرح نهج البلاغة ج 20 ص56″.
مصطلح الاصلاح في بعده الاجتماعي:
ولما كان بحثنا يخص الجانب الاجتماعي والسياسي من المصطلحات القرآنية فسوف نتناوله بشيء من التفصيل في طريقة تناول القرآن الكريم لهذا المصطلح:
1ـ القرآن يشير الى ان مهمة الانبياء هي علاج ازمات المجتمع وتعديل اعوجاجه وتخليصه من امراضه المختلفة، أي (صلاح المجتمع) بالاضافة الى مهمة الهداية والارشاد والارتباط بالله، وهي مهمة متكاملة ومترابطة سوف نشير اليها بالتفصيل في ثنايا البحث، هذه النكتة يمكن استنتاجها من قول نبي الله شعيب {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ }”هود 88″
2ـ ان من الاهداف والمهمات الرئيسة التي يضعها القرآن في ذهن اتباعه هو تحقيق الانسجام الاجتماعي وفظ النزاعات وتحقيق السلام والوئام في المجتمع الايماني وعلى مختلف مستوياته، وبعد ذلك من الاعمال المرضية عند الله وهي من افضل الاعمال والتي تفوق في فضلها وقيمتها كثير من الاعمال العبادية، كالصوم والحج وغيرها، {إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}”النساء 114”.
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَ}”الحجرات 9″ {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ} “الحجرات10″
3ـ ان شعار الاصلاح يستبطن مفهوم ان هناك فساداً وخللاً يستدعي العلاج وازالة العيوب والعوج، ولذا فان شعار {وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا }”الاعراف 85″، ومفهوم {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ }”هود 88″ يجعل مهمة الاصلاح دائمة ومطلوبة.
4ـ ان عمل الاصلاح عمل رباني وهو بحساب الحق والحقيقة من الاعمال الموصولة بالسماء وبذلك فهي اعمال حية باقية فاعلة تؤتى اثرها كل حين، وهي جهود متكاملة مترابطة يسد بعضها بعضاً، متنامية لانها مرتبطة بالحق، بالله، بالخير، {إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ}”الاعراف 170” وبذا ينبغي التسابق في الاصلاح، وعدم الاستهانة باي عمل فيه صلاح واصلاح، والاهتمام بانجازه، لانه عمل باق لا يضيع اجره، ويزيد ولا ينقص.
5ـ لما كان قانون عمل الاصلاح، والعمل الصالح، هو البقاء والنمو والرعاية الربانية ـ كما اشرنا الى ذلك في نقاطنا السابقة تكون النتيجة الطبيعية {أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ}”الانبياء 105″، وهذه نتيجة محتومة لطبيعة العمل الصالح، الذي لا يضيع والتأكيد القرآني على ان العاقبة للمتقين، تباشير امل لكل السائرين في عملية الاصلاح والصلاح والمعانين في ذات لله من اجل الناس واصلاح ما بينهم ومن اجل تحقيق امنهم وسلامتهم، ان هذه الوعود الربانية الصادقة تعزز من ثقة المصلحين والصالحين بطريقتهم ومنهجهم رغم وعورة الطريق ووحشته وقلة سالكيه.
6ـ الاشارة القرآنية المهمة التي يؤكدها القرآن هو ان المجتمعات تهلك، بموت او استئصال بسبب فسادها، والنهاية دورتها مع مثلها الاعلى المحدود، وزوال قيمها وتهافت مؤسساتها، هذه سنة الله في الدول والمجتمعات، لكن الذي يساهم في اعطاء الحياة للمجتمعات، ويحافظ على حيوية تجارب الدول وشعوبها هو عملية الاصلاح التي يضطلع بها ابنائها للوقوف امام الفساد والمفسدين {وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ}”هود 117″، فبالاصلاح تحفظ حياة الشعوب.
لذا نجد ان التجارب البشرية التي تعطى فرصة للنقد وحرية للتعبير في ابداء الرأي وتشخيص العيوب والمشاكل، وتضع آليات للمساهمة في ايجاد الحلول، والعلاجات تعد مجتمعات حية تفرض طبيعتها القابلية للاصلاح والمراجعة وبالتالي للنمو وعدم الاندثار والهلاك، وهذا درس تشير اليه الآية الكريمة السابقة، وتؤكده تجربة نهاية الاتحاد السوفيتي وامثالها.
مصطلح التغيير:
فمدلوله القرآني، ليس ايجابياً بل هو سلبي، حيث استخدم القرآن التغيير بمعنى التبدل، والتحول نحو الاسوء، لاحظ الآيات : {ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} “الانفال 53” من هنا فان عملية تغير الاوضاع الانسانية (فرداً او جماعة) نحو الاسوء تبدأ من الانسان وبارادته عندما يغير ما بنفسه من فكر ومثل وتوجهات وسلوك ليتبع ذلك تغيير اثارها ونعمها وبركاتها نحو الاسوء، لذا فالقرآن يستعمل الاصلاح، ولا يستعمل التغير اذا كان الحديث نحو علاج وتقدم وتطور، ويستعمل التغيير بمعنى الانتقال نحو الاسوء والانحدار، الا ان التداول الاعلامي اليوم يستخدمهما بمعنى واحد او متقارب ويشيران الى الحركة في المجتمع وعدم الركود فيه بغض النظر عن اتجاهه.
الاصلاح في دعوات الانبياء
فيما لا شك فيه ان القرآن الكريم يعتبر دعوات الانبياء عملية تبدل وانتقال نحو الاحسن بما تتضمنه هذه الدعوات من تعريف وتبليغ ويثبته الدين والعقل، وتفعيل الارادة الانسانية للانطلاق نحو الاحسن والاكثر كمالاً، ورفض الواقع وقيمه ونظامه وثقافته، فدعوات الانبياء، دعوات ناقدة، ودعوات اصلاحية، ودعوات رافضة للواقع وقيمه وفكره، ومتحدية لمؤسساته ورموزه وذات اهداف، وأفق تجديدي تكاملي.
هذه هي الصورة العامة لدعوات الرسل والانبياء، واذا لاحظنا الآيات الكريمة التي تقص علينا جهاد الانبياء فهي تشير الى ذلك بوضوح:
ـ ان المشترك العام بين الانبياء انهم جاءوا ليحرروا الانسان من خلال عقيدة التوحيد ويعززوا كرامته، بالارتباط بالله وحده ايماناً وفكراً وعاطفة، وما ينعكس من هذا الايمان من فعل وسلوك وخلق وامانة والتزام، هذا على صعيد الفرد.
اما على صعيد المجتمع، فمهمة الانبياء هي توحيد صف المجتمع من خلال عقيدة التوحيد، واخراجهم من اسر الظلم والمستكبرين واصحاب المصالح الدنيوية، وينقذوا المجتمع من ازماته وامراضه ومعاناته، سواء كانت مشكلة حكم، ام مشكلة اخلاقية، ام اقتصادية ام غير ذلك.
ان القرآن الكريم اكد على دعوات رسل معينين بشيء من التفصيل، وبعضهم بشكل موجز وبعضهم باشارات وتلميحات، ويبدو ان ذكر القرآن لأولي العزم من الرسل ناله تفصيل اكثر من باقي الانبياء، كما ان نبي الله موسى كان اكثرهم ذكراً حيث تناول دورة حياته بشكل كامل تقريباً من ولادته وطفولته الى شبابه وزواجه ورجولته وعمله وشيخوته، وكذلك تناول دوره عمله الرسالي والتبليغي ايضاً بشكل كامل من تحرير بني اسرائيل ودعوته السرية ومواجهته العلنية لفرعون عصره الى هجرته وبنائه مجتمعه، الى التيه ومشاكل المجتمع الاسرائيلي والفتن التي مر بها، من الخرافات عقائدية، وقد ورد ذكره مائة وست وستين مرة.
اما نبي الله ابراهيم فقد جاء ذكره بشيء من التفصيل حيث ذكر بنيف وستين مرة وتناول مسائل التوحيد، وتحرير الانسان، ومواجهة النمرود، ونيله موقع الامامة ولذريته.
كما تكرر ذكر قصة دعوة نبي الله نوح ومواجهته مجتمع المكابر والمتمرد، والذي ورد ذكرها في القرآن بضع واربعين موضعاً.
اما الانبياء الاخرون فقد تكرر ذكرهم ايضاً في سياقات مختلفة، وباشارة لمشاكل مجتمعهم ومهماتهم الاصلاحية لذلك المجتمع.
اما نبي الله لوط، فقد كانت مهمته علاج ركيزة اجتماعية مهمة وازمة اخلاقية تتعلق بالعائلة وهي الزواج المثلي.
واما نبي الله شعيب فقد كانت مهمته علاج ركيزة اجتماعية اخرى مهمة ايضاً تتعلق بالوضع الاقتصادي للمجتمع وغياب الامانة السوقية.
واما نبي الله صالح، فهو نبى قوم ثمود وكانت مهمته علاج ركيزة اجتماعية اخرى تتعلق بالحقوق، وعلاج ظاهرة البطر وغياب الشعور بالمسؤولية.
الاصلاح والتحولات الاجتماعية.. ركائزها ومجالاتها:
من مجمل الاستعراض القرآني لدعوات الانبياء ولمواضيع الحوار والتبليغ في مضامين مهامهم الرسالي، يمكن استخلاص مجموعة محاور تمثل ركائز واعمدة في بناء أي مجتمع وان أي تحول واصلاح او تغير وتبدل في هذه الركائز سوف تؤثر في بناء المجتمع ومساره وطبيعته.
ان الركائز الاجتماعية تمثل الاهتمامات الانسانية التي تعبر عن حاجات ودوافع تكوينية في الانسان وهي مهمات ملازمة للوجود الانساني الاجتماعي، ووفق هذا التصور للركائز الاجتماعية يمكن ادراجها كما يلي:
1ـ الدوافع الجنسية: والحاجة الى الجنس الآخر، وما ينشأ عنها من نظام العائلة، ومستلزماتها وطبيعة العائلة والعلاقة بينهما، وما ينعكس على المجتمع من اثار لطبيعة العائلة واحوالها وحجمها ومتعلقاتها، وقد تناولت هذه الركيزة الاجتماعية، الاساسية ومشكلاتها.
2ـ الحاجة الى الطعام والملبس والمسكن، وما يرتبط بهذه الشؤون والتي تفرز عادة بعنوان الامور الاقتصادية للفرد والمجتمع والدولة، ولها قوانينها ومعاييرها واحوالها ويمكن ادراج قصة شعيب في مهمته الاجتماعية لعلاج هذه الركيزة ومشكلة الامانة السوقية.
3ـ النظام الاجتماعي، وفيه جانبان
أـ التشريعات فيما يتعلق بالحقوق وفق مفهوم العدل والانصاف، وهنا تأتي دعوات الانبياء لسن التشريعات التي تحقق العدل، ولتخلص البشر من تحكمات الجهلة والتجارب القاصرة في التشريعات او لتعدّل منها، ويمكن ملاحظة ذلك في تشريعات الانبياء وتعليماتهم، وهنا يمكن ملاحظة دعوة ابراهيم وتشريعاته الحنيفية كأساس لهذه الدعوات التي تشترك فيها كل الاديان.
ب ـ انظمة الحكم، وتحرير العباد من السلاطين واهدافهم واستبدادهم وارساء مفاهيم المساواة والعدل والشورى والمشاركة في الادارة لشؤون المجتمع، وحماية حقوق الانسان.
ويمكن ملاحظة هذه الجوانب في مواجهة الانبياء مع السلاطين والفراعنة كما في قصة نبي الله ابراهيم ونبي الله موسى وباقي الانبياء.
4ـ تداول الخبرة والمعرفة (التربية والتعليم) من تعلم اللغة والكتابة وتعليم الاجيال وانتقال الخبرة والمعرفة وتطورها، وتنمية الذهن الانساني وزيادة معارفه والتي تنعكس اثارها على كل الركائز السابقة، وتساهم في توحيد المجتمع عبر ثقافة مشتركة جامعة بين افراد أي مجتمع.
ويمكن هنا ملاحظة، قصة ثمود، والآيات المتعلقة بها.
ان هذه الركائز مترابطة في حياة الانسان ومتبادلة التأثير، ويمكن اعتبارها معالم لاي عملية تقويمية وتغييرية وكذلك مدخل للاصلاح، ومؤشرات لدراسة أي مجتمع واتجاهاته وتقويم مؤسساته المنبثقة عن كل ركيزة من هذه الركائز.
ان الاطار الفكري التوحيدي العام الذي تطرحه رسالة السماء هو تفعيل لكل هذه الاهتمامات والحاجات الانسانية والتي تمثل ركائز الحياة الانسانية باتجاه المثل الاعلى المطلق والذي يحرر الانسان ويشده باتجاه حركة متنامية متكاملة ومتطورة نحو العلم، والعدل، والرحمة، والقدرة، المطلقة والتي تمثل اسماء وصفات والمثل الاعلى المطلق سبحانه وتعالى.
وما بعث الانبياء والمصلحين والائمة الهداة الا مظهر للرحمة الإلهية بهذا المخلوق العجيب (الانسان) وعبر مسيرة الانسانية في حركتها وتاريخها الطويل لتقول هذه الاوصاف والحالات (من العلم والقدرة والعدل والرحمة) كواقع اجتماعي مُجِسد وشاخص تعيشه الانسانية بكل تفاصيلها وعلى كل ربوع الارض، وليس كحالات فردية، او جماعية محدودة.
فهل بمقدور الانسانية ان تصل الى الله بعلمه وقدرته ورحمته وعدله، لانها غاية الخلق، ومهمة عملية الاصلاح النبوي.
ظاهرة مواجهة الدعوات الاصلاحية:
يستعرض القرآن الكريم موقف المجتمعات من دعوات الانبياء الاصلاحية ويسجل مجموعة ظواهر تحكم الموقف العام للمجتمعات من عملية الاصلاح وتختلف درجتها ونوعها باختلاف المجتمعات واوضاعها وازماتها.. والتي تتسم عادة برفص دعوات الانبياء وموقف الرفض يتمظهر ويتجلّى اشكال وحالات تمثل ظاهرة عامة في رفض الدعوات الاصلاحية وهي:
الاستهزاء ، التشكيك، الغفلة، والتعنت.
اولاً:ـ الاستهزاء
يسجل القرآن الكريم موقف الاستهزاء من قبل الامم للرسل والانبياء وبمراجعة سريعة لانباء الامم في القرآن الكريم فسوف نجد ان هناك ظاهرة اجتماعية اشتركت فيها جميع الامم الا وهي رفضهم للدعوات الالهية وعُبر عن هذا الرفض بظاهرة “الاستهزاء” بالانبياء او باصحاب الانبياء او بالرسالة ومفاهيمها الجديدة.
والاستهزاء، يمثل حالة نفسية يقوم بها الفرد في اعلان موقفه من موضوع او شخص عندما يرفض التفاعل معه وكرد فعل سريع ومبادرة، موقف نفسي شبه عفوي ازاء المواضيع والاشخاص اذا وجد فيها انها تخالفه بشكل كامل باعتبارها غريبة ومثيرة للتعجب لكن مع استخفاف وضعة واحتقار، هذه عناصر حالة الاستهزاء ويمكن تلخيصها بانها موقف نفسي يمثل رد فعل غير مدروس او يبادر فيه الشخص للصد والدفاع عن منظومته لشعوره بالاستغراب، مقروناً بالاستخفاف والاهانة والاحتقار للشخص او الموضوع المطروح، وقد يقوم الانسان بموقف رافض لفكرة او شخص وبعد دراسة واطلاع قد يتطور الرفض الى الاستخفاف بالفكرة المطروحة او صاحبها، لكن ما يعرضه القرآن الكريم لظاهرة الاستهزاء كردة فعل غير مدروسة ومتبادرة عن موقف نفسي لا ينسجم بالعقلانية او المعرفة والتحليل، كما اشار القرآن الكريم بقوله تعالى:
{مَا يَأْتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلاَّ كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} “يس 30”.
{قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ} “البقرة 67”.
{فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون} “غافر 83”.
{وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنذِرُوا هُزُوًا} “الكهف 56”.
ونلاحظ ان الآيات التي تتحدث عن ظاهرة استهزاء الامم بانبياء الله ورسله وبأصحاب الدعوات المصلحة تشير الى ان مثل هذه المجتمعات تمر بحالة ركود فكري وخمول ثقافي وتسالم عقائدي يتسم بتقديس للموروث وتقليد اجوف غير مبني على اسس قابلة للحوار، وترديد لشعارات ومفاهيم اعتاد عليها المجتمع بأعتبار ما اعطته من زخم في حركة المجتمع ونموه ووصوله الى ما هم عليه بما يجعلهم يعتبرونها كأرث من آبائهم واجدادهم فهي مقدسة لارتباطها بالأباء وهي محترمة ولا يجوز النقاش فيها لانها اثبتت جدارتها وصلاحيتها في زمن الآباء فهي مجربة من جهة وصاحبة فضل عليهم من جهة اخرى، والتحول الى فكرة جديدة ودعوة مستحدثة فيها فهو:
اولاً: رفض للموروث المقدس القديم ومن ذلك اتهام واستهانة واستهزاء بالمقدس وبما عندهم وبما تعارفوا عليه واكد تاريخ الآباء صحته وفاعليته ونجاحه.
ثانياً: ان ذلك الجديد أو “المحُدث” غير مجرب ولا يمتلك قرائن ودلائل صحة فهو مُحدث لا اصل له وغير مجرب.
ثالثاً: ان ذلك الجديد يأتي عادة من قوى ضعيفة غير حاكمة وغير متسلطة والمؤمنون به من المستضعفين وليسوا من قمة هرم المجتمع وانما من اسفله وممن يعاني من تبعات واستعلاء اصحاب القدرة.
رابعاً: ان المجتمع منقسم بين “محافظ” على ما موجود ولاكثر من سبب ويتصف هؤلاء بانهم من الطبقة الحاكمة واصحاب النفوذ.
ثانياً:ـ التشكيك
بشرية الرسول:
{مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ}”المؤمنون33″.
ان التوجه الى معرفة الشخص امر طبيعي في حياة الناس الاعتيادية وللرأي العام الشائع، والسؤال: من المتحدث؟ أو من أي نسب؟! وابن من؟ كلها اسئلة طبيعية متوقعة ومعقولة، والمنهج الالهي ايضاً اخذها بنظر الاعتبار فالانبياء عموماً من عوائل معروفة محترمة ونسبهم شريف كما ان خلقهم العام خلق اجتماعي رفيع.
لكن الاشكال المطروح هنا ليس على خصوصية عائلية، انه مطروح على اصل بشرية من يبلغ الرسالة على الرسول، بانه بشر، مثلنا، وهذا التساوي البشري لا يعطي للرسول أية احقية في دعوته، وبهذا فان مبرر دعوته ودافعه فيها هو ابراز تمايزه على الاخرين كي ينفصل عليهم، اشكال مقبول وفق المنطق الاجتماعي العام.
والتوقع لمن يرتبط بالسماء ويكون قريباً منها، ويمكن ان يحمل رسالة السماء انهم الملائكة وليس البشر، لخصوصية الملائكة وقربهم. {وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً}”المؤمنون 24″.
ولو كان صحيحاً دعوة نوح او أي رسول، لكان ذلك امراً قد وصلنا عن ابائنا وبالتواتر لانه امر مستغرب، ومهم ومثار تساؤل، حيث نجد بشراً يكون قريباً من السماء ويستلم منها رسالة ويحدثه الله وبوحي اليه. من دون الاخرين اذ لابد ان تكون هناك واسطة بين البشر والله، لاختلاف المقامين والواسطة بينهما هم عادة الملائكة ولما كان الملائكة هم يتوسطون في نزول الرحمة والعلم والرسالة، فان ذلك مدعاة لنزول الملائكة على مرأى عام وللجميع وعلى الملأ وبصورة مكشوفة والا فلماذا تكون خاصة بهذا النبي (الشخص)؟ ولما لم يكن فيه خاصية مميزة لشخص الرسول يجمع عليها الجميع، فادعاؤه اذن محض نزعة نفسية لابراز الذات وتفضيلها على الاخرين.
وهذا الاشكال الذي لا يخلو من وجاهة للوهلة الاولى، قد تكرر طرحه في مقابل دعوة الانبياء.
ولتميم الوضع وزيادة في التأكيد فان هذا المدعى الغريب (نزول الملائكة عليه دون الاخرين بامر دون الخلق، وبشكل مخفي) علامة جنون (ان هو الا رجل به جنة…)
او انه رجل كذاب، أو مدعٍٍ ولا هدف من حديثه مما يوجب الاعراض عنه ….
هذا اشكال على شخصه اما على رسالته فالموقف يتوزع بين رفضها لانها مخالفة لارث الاباء او لانها دعوة حديثة لا اصل لها، او انها قديمة غير منطقية.
ثالثاً:ـ الغفلة:
الامر الاخر الذي يسجله الكتاب الكريم في وصفه لظاهرة تكذيب الامم لرسل الله وانبيائه، ان المجتمعات التي تواجه الانبياء تعيش حالة من “الغفلة” والغفلة التي اشير اليها هنا في هذا الصدد كظاهرة اجتماعية وليست فردية، فهناك حالات الغفلة التي يمر بها الافراد والتي تمثل حالة نسيان لله ولمسار الانسان ولمصيره ولمواقفه، والتي يستتبعها، الذكر والتوبة والاستغفار اما الغفلة كظاهرة اجتماعية ازاء دعوات الرسل فهي تمثل حالة اخرى يمكن وصفها كحالة من الركود الثقافي الفكري، والتعامل التقليدي مع القضايا والمشاكل والتحديات المطروحة، فهم “المجتمع” في غفلة عن حالة الانهيار والتردي، الذي يمرون به {الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}”الكهف 104″، او غفلة على ان ما يقومون به لا يساهم في الحفاظ على مصالحهم.
او الغفلة عما يجري حولهم وبمسارهم ومصيرهم وبالمشاكل الخطيرة والامراض التي يعانون منها.
ويبدو ان الحديث عن هذه ا لظواهر امر ممنوع في هذا المجتمع او هو من المحرمات لان مثل هذا النقد يشير باصابع الاتهام الى “الملاء” والسلطويين القيّمين على المجتمع كما و يتهم الفكر المقدس “المثل الاعلى الجامد” والتكراري الذي يمنع من عملية الاصلاح.
الغفلة اذن طبيعة المجتمعات التي تعيش المثل الاعلى التكراري وتمثل ايضاً الحالة العام للمجتمعات الراكدة التي تتعامل مع الدعوات والافكار بدون اهتمام او انتباه او حوار.
لاحظ التعبير الالهي {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}”الانبياء 2″.
لاحظ كلمة مُحدث، اي جديد، ولاحظ رد الفعل ازاء هذا الذكر الجديد. استمعوه وهم يلعبون، وصف للحالة التي تمثل غالبية المجتمع وهو عدم الاهتمام والانشغال بالتوافه والامور غير ذات قيمة. وهو اجمل وصف للغفلة الارادية.
رابعاً:ـ التعنت والاعتزاز
العنصر الرابع الذي يذكره القرآن لظاهرة تكذيب الانبياء وبالاضافة الى الاستهزاء والغفلة والجدل ببشرية الرسول هو حالة الاعتزاز بما عندهم والثقة به واعتباره هو الحل وهو طريق النجاة، فهم في رضا بما عندهم من “مثلهم الاعلى”.. وهم به قانعون وفرحون، لانه يمثل ارث الاباء الذين ناضلوا واعطوا وتحملوا وقدموا، فهو ارث الاعزاء.
{إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ* فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ}”الصافات 69ـ70″.
والامر الاخر الذي يجعلهم يرفضون دعوات الانبياء الاصلاحية هو انهم الفوا ما عندهم، وانسجموا معه ورتبوا حياتهم ومصالحهم وثقافتهم عليه وان تغير المألوف والمعتاد ليس بالامر السهل ويستدعي عناء واعادة نظر، وتشكيك بالسابقين وبكل اعمالهم السابقة.
يضاف الى ذلك ان الذي جاءهم من ابائهم، والفوا عليه لم يكن امراً سيئاً او مضراً بل على العكس “فان مثلهم الاعلى” قد استنهض الاباء وحررهم ودفعهم خطوة نحو الامام فيما عذرهم فيه خير ومجرب، ولذا فهم يرفضون استبداله، لانه فيه خير حسب اعتقادهم كما يشير هذا الحوار القرآني:
{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُم بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ}”الزخرف 24″
لاحظ كلمة (اهدى، مما وجدتم عليه اباءكم) ففيه نوع من التسليم الجدلي بانهم على هدى ولو في زمن مضى وفي فترة استنفذت اغراضها.
وهذا العنصر الرابع في مبرر موقف التكذيب للانبياء، هو ان مبرر الرفض للدعوات الاصلاحية الالهية، بانها “مُحدث” جديد، ويبدو ان تركيز الرافضين للمحدث هو محاولة للتخويف من الجديد، لانه غير مجرب وغير مضمون وانتقال الى مجهول، وتطرح عادة في مجتمعات يكون مثلها الاعلى ما زالوا يشعرون بما حقق لهم من انجاز ولو خطوة صغيرة للامام ما يجعلهم يعتبرون ويفرحون بما في ايديهم ويبررون رفضهم للدعوات الاصلاحية بانها جديدة غير معروفة لم نسمع بها من قبل.
في مقابل الرفض على اساس انه مُحدث جديد غير مجرب، يأتي الرفض للدعوات الالهية بحجة انها (خدعة قديمة)
{وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ}”الاحقاف 11″
تحول الرفض هنا بحجة القدم، وانها اكذوبة مكررة طرحت سابقاً ووضح كذبها وهي اوصاف تطلقها المجتمعات الجامدة والمحافظة على ما عندها وقد وصلت الى قمة عطاء مثلها فهم يتشدقون بما عندهم متهمين الانبياء بانهم اصحاب دعوات قديمة ورجعية..
اتهامان متناقضان، [مُحدث] وكونه جد واكذوبة قدية افك قديم.
اتهامان متناقضان .. فدعوات الرسل (مُحدث، مما يستدعي ـ عدم التعامل معها ودعوات الرسل “افك قديم” مما يستدعي عدم التعامل معها. فهي محدث لاؤلئك الذين اعتادوا طريقاً ومنهجاً والنمو الموروث من الاباء والاجداد فتكون تهمة الجديد غير المجرب مثار استفزاز وداعٍ للرفض..
وتهمة (افك قديم) ادعاء مؤثر لاولئك الباحثين عن حل ومثل اعلى جديد ينقذهم مما هم فيه ويتطلعون الى الجديد فعندما يأتي الجديد الاصلاحي، تكون التهمة المتوفرة له انه افك قديم ومكررة فما عند الانبياء ليس جديداً، يمكن ان ينقذكم انه اكذوبة تكرر طرحها وسمعنا بها قديماً.
وقد تكون تهمة الجديد تأتي من مجتمعات متقدمة في النمو وان مثلها الاعلى قد اعطى اثره وفعله وهم ينعمون بما عندهم، كمجتمعات إرم وفرعون حيث يعيشون مدينة متقدمة ومجتمعاً متماسكاً فالتهمة المنفُرة والاكثر تأثيراً ان هذه دعوات جديدة ليس لها اصل وغير مجربة، وما عندنا افضل لانه اثبت عطاءه فلا مجال لدعوات الاصلاح ويتهمها السلطويون واصحاب النفوذ والملأ . انها دعوات افساد وخراب وتمزيق المجتمع .
بينما تكون تهمة “الافك القديم” لدعوات الانبياء تأتي عادة في المجتمعات التي تعيش ازمات وتمزق ولا يجد اهله فيما عندهم حلاً مناسباً فيتهمون دعوات الانبياء بالافك القديم.
لذا و من خلال هذا البحث تجد ان استخدام الشيخ اليعقوبي لكملة المصلح هي نتائجة من الدلائل اعلاه حسب فهمي القاصر
كلام في غاية الدقة والاحكام بارك الله بك