بناء الشباب ضمانة المستقبل (٧)

برايي، فان التغيير في المجتمع، اي مجتمع، يبدأ من تغيير الذات عند الشباب، لأنهم اللبنة الاولى فيه، فإذا صلُحت وتحسّنت صلح بقية البناء، والعكس هو الصحيح، ولذلك نرى ان الامم الراقية تهتم اكثر ما تهتم بمرحلة الشباب، ان بمراحل التعليم الأولية او بمراحله العليا، او بعملية التثقيف العامة، فتراها تهتم بالمناهج التعليمية والتربوية والبدنية على حد سواء، كما انها تهتم بملء الفراغ عند الشباب بأي شكل من الأشكال التي تساهم في صقل شخصيتهم وبنائها البناء السليم.
ولقد اهتم الاسلام كثيرا بمرحلة الشباب، فكان رسول الله (ص) اذا رأى شابا سأله عن عمله، فإذا أجابه بالنفي، اي انه عاطل عن العمل، قال (ص): سقط عن عيني.
ولقد سعى رسول الله (ص) وأئمة اهل البيت عليهم السلام، سواء بالقول او بالفعل، الى صقل شخصية الشاب وهو بعد في اول الطريق، لان الكثير من الصفات الحسنة، خاصة تلك المتعلقة بسلوكه في المجتمع، تنطبع في شخصيته منذ الصغر، وان من اكبر اخطاء الأبوين تصورهم بان الأولاد الصغار لا يستوعبون الكلام والتربية كثيرا، فيدعوهم يلهوا ويلعبوا ويلههم الامل بلا حسيب او رقيب، حتى اذا اشتد عودهم استعصَوا على الأبوين، فلا الكلام ينفع معهم ولا التربية، لان من يشب على شيء يشيب عليه، ولذلك ينبغي ان يشب الأولاد على كل شيء حسن ليشيبوا عليه، وصدق من قال (العلم في الصغر كالنقش على الحجر) فتربية وتعليم الأولاد وهم صغار لا تمحوها عاديات الزمن.
ان على الأبوين، وكذلك على المجتمع، خاصة في المؤسسات التعليمية، توظيف وسائل التربية الحديثة مع الشباب، فطرق مثل الضرب والإكراه والجبر والرقابة الصارمة والمنع وغيرها من الأساليب البالية لا تنفع اليوم كوسائل تعليمية وتربوية ابدا، بل يلزم تعلّم الوسائل الحديثة التي توصل اليها علماء التربية بالخبرة والدراسة والتجربة، لنساهم في تنمية الشباب بعيدا عن ردود الأفعال الخطيرة التي تكون نتائجها، في احيان كثيرة، ضياع الشباب بدلا من تربيتهم وتعليمهم.
كما ينبغي على المختصين قراءة واستنطاق النصوص لإنتاج نظريات جديدة في التربية والتعليم والتثقيف، على قاعدة قول امير المؤمنين (ع) {لا تُكرهوا أولادكم على تربيتكم، فانهم خلقوا لزمان غير زمانكم}.
لذلك، ينبغي على الوالدين، وكذلك على المجتمع، ان يفسحوا المجال للشباب للتعبير عن انفسهم وعن طموحاتهم، وعن ما يجول في خواطرهم من آراء وأفكار وخطط، وان القول بانهم صغار لا يفهمون شيئا هو قول خطأ وفي احيان كثيرة يعد جريمة بحق الشباب والمجتمع في آن.
ان الشاب الذي يُمنع من التعبير عن نفسه، يظل غامضا بالنسبة لأبويه، وبالتالي سوف يفشل الأبوين في إيجاد افضل الطرق واسلمها للتعامل معه.
وإذا نظرنا للكثير من الاختراعات اليوم، العلمية منها والاجتماعية، فسوف نجد ان للشباب دور بارز فيها، لأنهم الأقدر على استيعاب التطور وهضم المتغيرات.
وان احد اهم الصفات التي يتميز بها الشباب، والتي تمكنهم من التقدم والتطور، هو الجرأة والجلد والشجاعة، سواء في اقتحام الغمرات او في محاولات البحث عن التجديد والتطوير، فالتطور بحاجة دائماً الى شجاعة، والتي لا نجد مثلها الا عند الشباب، ولذلك تراهم الأقدر على تكرار التجارب لحين تحقيق النجاح.
حتى على الصعيد السياسي، فان البلدان المتقدمة والمتطورة تعتمد كثيرا على الشباب في التنمية السياسية، فعندما يكون عمر الرئيس الاميركي (٤٨) عاما، كما هو الحال مع الرئيس الأسبق بيل كلينتون مثلا او الحالي باراك اوباما، فلك ان تتخيل كم كان عمره عندما بدا مشواره السياسي ليصبح رئيساً لاعظم دولة في العالم وهو بعد لم ينه الخمسين من عمره؟.
هنا، وددت ان اذكر حديث رسول الله (ص) الذي يحدد فيه الصفات التي تصقل شخصية المسلم، وهو بعد في مرحلة الشباب، ليبني عليها حياته بطريقة سليمة وصحيحة، فيكون مبدعا وناجحا ومثمرا، وبالتالي مباركا في مجتمعه.
يقول (ص) يصف المؤمن:
لطيف الحركات حلو المشاهدة، يطلب من الأمور أعلاها، ومن الأخلاق أسناها، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم فيمن يحب، قليل المؤونة، كثير المعونة، يحسن في عمله كأنه ينظر اليه، غض الطرف، سخي الكف، لايرد سائلا، يزن كلامه، ويخرس لسانه، لايقبل الباطل من صديقه، ولا يرد الحق على عدوه، ولا يتعلم إلا ليعلم، ولا يعلم إلا ليعمل، إن سلك مع أهل الدنيا كان أكيسهم، وإن سلك مع أهل الآخرة كان أورعهم.
١٣ كانون الثاني ٢٠١٤
Comments (0)
Add Comment