من اجل ان لا يبدأ جيل الشباب من نقطة الصفر، فيجرّب ما جربته الأجيال التي سبقته، ويستنسخ الخطا ولا يستفيد من الصحيح، ففسحة العمر ليست طويلة بما تمكّن المرء من تجربة كل شيء بنفسه، ومن اجل ان يستفيد الشباب من نعمة الذاكرة التي وهبها الله تعالى للبشر، فان من المهم جدا ان يقرأ الشباب تجارب الناجحين دائماً، أفرادا وشعوبا، فتجارب الآخرين ثروة إنسانية للجيل الجديد تساعده على اختزال الزمن وتجنب الخطأ وتوظيف الخبرة بما ينهض بمستواه في اسرع وقت ممكن، ولقد حذر امير المؤمنين (ع) من مغبة التغافل عن تجارب الآخرين بقوله {من جرّب المجرب ندِم} لذلك، ينبغي على الشباب متابعة مذكرات الناجحين وقراءة خبراتهم، بغض النظر عن الهوية والدين وغير ذلك، فتجاربهم ملك للإنسانية وليست لاحد دون اخر.
كما ينبغي عليهم قراءة تجارب الفاشلين الذين نجحوا فيما بعد، ليتعلموا كيف يحولوا الفشل الى نجاح، وما هي طرق وأساليب الانتقال من مرحلة الفشل الى مرحلة النجاح، وهو ما نمر به اليوم في العراق الجديد.
ومن الشعوب الناجحة التي ينبغي ان يقرا عنها الشباب هي شعوب اليابان وألمانيا والولايات المتحدة الأميركية، طبعا مع الأخذ بنظر الاعتبار الخصوصية التي يتمتع بها كل شعب من الشعوب، وما نتميّز به نحن كشعب كذلك.
لقد تميّز الألمان واليابانيون بقدرتهم الفائقة على تحويل الهزيمة الى نصر، فيما تميز شعب الولايات المتحدة بقدرته الفائقة على التعايش في ظل التنوع والتعددية، وفي ظل دستور فاعل وقانون يحكم الجميع.
كما ينبغي على الشباب مطالعة مذكرات القادة السياسيين والعلماء والمفكرين ليتعرفوا على أسباب نجاحاتهم ان كانوا ناجحين او عوامل فشلهم ان كانوا فاشلين، فضلا عن ذلك، فان في طيات المذكرات تفاصيل تتحدث عن البيئة الاجتماعية والسياسية مثلا، وكذلك عن تفاصيل العلاقات والروابط السياسية والخارطة الدولية في الزمان والمكان وغير ذلك، ما يساهم في بناء رؤية شاملة عن البلاد، سياسيا وجغرافيا ودوليا، خاصة وأننا نعرف جيدا بان العالم يؤثر بعضه في بعض، ولذلك لا يمكن قراءة خارطة بلد ما بعيدا عن الخارطة الدولية.
لقد شرع الله تعالى النظام القصصي في القران الكريم، فتحدث وذكر الكثير من تجارب الامم والأفراد، الناجح منهم والفاشل، لانها تجارب إنسانية يمكن ان تستفيد منها الأجيال المتعاقبة، وهذا لطف من رب العالمين ورحمة بعباده، حتى لا يكرروا الخطأ او يغفلوا عن أسباب النجاح، الا ان مشكلة الانسان هو انه يصر على ان يجرب كل شيء بنفسه اما أنَفَة او تكبرا او علوا في الارض او استخفافا بنفسه، ولذلك نلاحظ ان الشعوب التي تتجاهل تجارب الامم السالفة يتكرر عندها التاريخ بأسوأ صوره، اما الشعوب التي تقرا تجارب الآخرين وتستخلص منها الدروس والعبر فلا يتكرر عندها التاريخ بشكل سيء، بل على العكس من ذلك فإنها تختزل الزمن والطاقات والأثمان المطلوبة للبناء والنهوض وتجاوز المشاكل.
خذ مثلا على ذلك، فان اغلب أسباب الطلاق في مجتمعنا هي نفسها تتكرر بشكل مقرف، فلو ان المجتمع استفاد من تجاربه لما تكررت حالات الطلاق ولنفس الأسباب، بل لكان المجتمع قد تجنب الأسباب وبالتالي قلل من ظاهرة الطلاق التي تزداد في مجتمعنا يوما بعد اخر.
ذات مرة سالت المرجع الراحل الشيرازي، قدس سره، عن سر تعامله الحذر مع تفاصيل الثورات في المنطقة، وإيمانه المطلق باللاعنف كمنهج لها، فأجابني بالقول: انه عايش تفاصيل اعظم ثورتين في التاريخ الحديث، الا وهما الثورة الصينية بقيادة ماو تسي تونغ والهندية بقيادة المهاتما غاندي، ولما اقارنهما بسيرة رسول الله (ص) ومدرسة اهل البيت عليهم السلام، اكتشف ان العنف هو احد اهم أسباب تدمير الثورات في العالم وفي التاريخ.
انه كان يسعى دائماً لتوظيف التجربة في استنطاق حقائق الواقع بما يساهم في التقليل من الأخطاء ومصادر الفشل وحالاته.
كما اخبرني مرة، قدس سره، انه قرا أكثر من (٢٠٠) كتاب عن جماعة الاخوان المسلمين، فكان يعرف عنهم اكثر مما يعرفونه عن أنفسهم، ولذلك فلطالما سمعت منه عن مستقبلهم الذي رأيناه في العام الماضي وكأنه كان يقرا المستقبل بكفه.
ان تكرار احزاب السلطة اليوم لأخطاء حزب الطاغية الذليل صدام حسين لدليل واضح جدا على انها لم تتعلم منه، او انها نسيت ان الطاغية استخرج من بالوعة أشعث أغبر، على الرغم من كل ما فعله لتجنب هذا المصير، فلطالما سمعناه يكرر قوله المشهور (لن أسلمها، جئنا لنبقى) لنسمعها ذاتها اليوم على لسان الحاكم الجديد، وكأنه نسي الماضي القريب، فالعاقل هو من يستفيد من تلك التجربة، اما الذي لا يستفيد منها فهو المجنون بعينه الذي يشتهي حفرة مشابهة لتلك التي اختبأ فيها جرذ العوجة، على حد تسمية العراقيين للطاغية الذليل.
ان من أسوأ العبارات المتداولة في مجتمعنا، هي عبارة (إقلب صفحة) وكأننا، في كل مرة، نشطب على تجاربنا، ولذلك تتكرر في أسوأ صورها.
١٢ كانون الثاني ٢٠١٤