لا شيء يمكن ان يعوّض عن الكتاب، فلا متابعة القنوات الفضائية يمكن ان تكون بديلا عنه، ولا وسائل التواصل الاجتماعي التي تعج بالأخبار والتقارير والصور الكاذبة، ولا حتى متابعة المحاضرات والمجالس وما شابهها، فللكتاب دور خاص ومحوري لم ولن يتأثر بتنوع مصادر المعرفة الاخرى مهما تطورت وانتشرت واتسعت.
لقد كان الكتاب، ولا يزال، اهم مصادر المعرفة، وان من يعتقد ان بإمكانه الاستغناء عنه بمصادر اخرى بديلة فهو واهم، فقد تكون المصادر الاخرى مساعدة، ولكنها لا يمكن ان تكون بديلة ابدا.
ان الكتاب مصدر الهام للعقل والفكر، اما غيره، خاصة في عالم اليوم، فمصدر تجهيل وتسطيح للعقل والفكر.
ولذلك، ينبغي ان يعيش الكتاب مع الشباب، في حلهم وترحالهم، لا يبتعد عنهم، ولا يستغنون عنه، يتعايشون معه كالهواء الذي يتنفسونه، ولشد ما استغرب عندما اسال شاب عن الكتاب الذي بين يديه الان؟ فيجيبني، انه لا يقرا، ولم يتذكر انه اقتنى كتابا مرة!.
ان من لا يقرا لا يفهم، وهو ميت الأحياء، لان عدم القراءة تنتج تصحّرا في الثقافة وتحجّرا في العقل وتكلّسا في الفكر، وبالتالي تُنتج موتا سريريّا قد لا يشعر به المرء، ولكن المجتمع يشعر به ويتلمسه بالتأكيد.
ومن اجل تحقيق الاستفادة القصوى من الكتاب، ينبغي الانتباه الى الامور التالية:
الف؛ لابد ان تكون المطالعة متنوعة، إن بمادة الكتاب او بالكتّاب انفسهم، وعدم الاقتصار على نوع واحد من الكتب او المؤلفين، لتساهم المطالعة في توسيع مدارك المتلقي، خاصة جيل الشباب، فهو بحاجة ماسة الى توسعة وتنويع خلفيته الثقافية بما يؤهله لاستيعاب المتغيرات بشكل افضل.
ان الاطلاع على ثقافات وأفكار متنوعة، يساهم في تحقيق الانفتاح الثقافي اكثر فاكثر، كما انه يساعد على التقليل من ظاهرة التطرف والتزمت الثقافي الذي يُبتلى به كثيرون بسبب احادية القراءة، والتي تنتج ظاهرة احتكار الحقيقة، واحتكار الجنة للذات والنار لغيرها.
يجب ان يتحلى الشباب بثقة عالية بالنفس وبشجاعة تؤهله لاقتحام غمار تنوع الثقافات، حتى لا يخشى او يتردد.
ومن اجل نتائج افضل، ينبغي ان تكون العملية تحت إشراف خبير متمرس.
كذلك، ينبغي الاهتمام بالقراءات الجدية والابتعاد عن الكتب التافهة، وللأسف فان وسائل التواصل الاجتماعي اليوم تحمل إلينا، في كل لحظة، كم هائل من التوافه والأخبار الكاذبة والصور والأفلام المفبركة، ما يشغل الشباب بلا نتيجة.
باء؛ ان الهدف الأسمى من المطالعة هو زيادة المعرفة عند المرء لتترك اثرها على سلوكه اليومي، ولا يتحقق ذلك الا اذا وصل الى مرحلة يكون فيها قادرا على انتاج الفكر والمعرفة، والذي لا يتحقق الا اذا صاحبت عملية المطالعة والقراءة، عملية اخرى في غاية الأهمية، الا وهي التفكر والتفكير.
ان اكتفاء المرء بالمطالعة فقط دون التفكر فيما يقرا ويطالع يحوّله الى آلة استنساخ تنتج نفسها على لسانه وفي تفكيره ليس اكثر، اما تحقيق التوازن بين عمليتي القراءة والتفكر في آن، فإنها تساهم في تمكين المرء من الانتاج دون الاستنساخ.
وإذا تساءلنا، لماذا يستمر الغرب بشكل عام، في الانتاج، ومنها الانتاج الثقافي والفكري، فيما توقف الانتاج عندنا حتى تحولنا الى مجتمع مستهلك في كل شيء، حتى في طريقة الأكل واللبس؟ فان الجواب: لان النظام العام في الغرب يعلم الانسان على التفكر في مجال اختصاصه وعدم الاكتفاء بالتلقي فقط، فالطالب، مثلا، مطلوب منه ان ينتج شيئا وهو بعد في مرحلة التلقي، ليتعلم، منذ البداية، كيف ينتج شيئا ما وهو يتلقى العلم والمعرفة، ولذلك، عندهم الشباب يبدعون لأنهم يفكرون ولا يكتفون بعملية التلقي فقط، اما عندنا فالشباب، اذا ما أتيحت لهم فرص التلقي، فانهم يكتفون بها، من دون انتاج او ابداع، وهذا، برايي، سببه أمران: الاول النظام العام الذي تعودنا عليه والذي كرس عندنا ثقافة التلقي فقط او الاستهلاك، وثقافة الاستنساخ والحفظ عن ظهر غيب ربما بلا فهم، فترى الواحد منها يتصنع الإصغاء من دون ان يجد أمامه أية فرصة للتفكير بما يسمعه او يقرأه، وكأن الذي يتلقاه يمثل كامل الحقيقة، وان من يصغي اليه هو الحق المطلق، فيما يقول الواقع ان الامر ليس كذلك.
الثاني: هو انعدام وغياب وسائل التفكير والبحث، الامر الذي حوّلٓنا الى متلقين بامتياز.
جيم؛ الاهتمام اكثر فاكثر بتكنلوجيا القراءة، ان صح التعبير، ففي عصر السرعة والتطور والتقدم المتسارع في كل شيء ينبغي على الشباب تعلم تكنلوجيا القراءة، كطرق وأساليب القراءة السريعة ومكافحة الشرود الذهني وطرق التفكير السليم، وغير ذلك.
ان هناك الكثير من الدراسات والأبحاث التي تعالج مثل هذه الامور المهمة جدا، والتي، اذا ما تعلمها الشباب، فسيزيد من وتيرة مطالعاته، ان على صعيد الكمية او على صعيد النوعية.
١٠ كانون الثاني ٢٠١٤