اعلان حالة الإنذار القصوى في صفوف المؤمنين
نزار حيدر
نجحت الخطة بحمد الله ومنّه، وتركت الصحن الحيدري لأجد نفسي في أزقة النجف الاشرف، من دون ان اعرف اين عليّ ان اذهب لاغادرها الى كربلاء المقدسة، ومنها الى جامعتي في مدينة السليمانية، لاتوارى بالكامل عن الأنظار، ثم اتسقط الانباء من بعيد لأتأكد فيما اذا كان أزلام النظام قد تعقبوني، مثلا، او عرفوني او ما الى ذلك، ليتسنى لي اتخاذ القرار المناسب عن بعد، وقبل ان أقع فريسة سهلة بيد النظام.
في هذه الأثناء، وانا أسير بغير هدى كالحيران، في أزقة مظلمة ليس فيها من يمكنني ان أسأله ليدلني الطريق، طل أمامي احد الأصدقاء الأعزاء من الثلة التي ساهمت في تنظيم مسيرة التحدي، وهو من أهالي مدينة النجف الاشرف، كان يقيم، وقتها، في مدينة كربلاء المقدسة، وكنا قد تعارفنا وجمعنا طريق الجهاد مطلع السبعينيات، فبادرني بالسؤال مندهشا: الحمد لله على السلامة، ماذا تفعل هنا؟ الى اين تريد الذهاب؟ فأجبته على الفور، بلا أسئلة، خذني الى سيارات كربلاء، اريد مغادرة النجف على الفور.
لم يتردد الاخ او يتأخر، أمسك بيدي اليمنى وانطلق بي بين الأزقة الضيقة كدليل خبير يعرف طريقه بلا تردد او تفكير.
دقائق، وإذا بنا في ساحة كبيرة مملوءة بالسيارات التي ينادي أصحابها على اسماء المحافظات والمدن بحثا عن زبائن للانطلاق بهم.
احدهم كان ينادي بأعلى صوته، كربلاء كربلاء، لم نتردد، قفزنا الى داخل السيارة لتمتلئ بعد دقائق بالركاب.
انطلق بنا السائق الى كربلاء لأصل المنزل قبل منتصف الليل بقليل.
حاولت في الطريق ان اشرح للأخ ماذا جرى لي بعد دخول المسيرة صحن امير المؤمنين (ع) طبعا بهمس، خشية وجود (البرغش) في السيارة معنا، وهي كلمة السر التي كنا نستخدمها فيما بيننا للتدليل على وجود عناصر الأمن وأزلام النظام البوليسي، لأخذ الحيطة والحذر في الكلام.
اطمأنَّ علي الاخ وودعني عند باب المنزل.
كنت متعبا وقلقا، الا ان التعب، على ما يبدو، غلب القلق فاستسلمت لنوع عميق، لم استيقض منه الا على طرقات باب المنزل فجرا.
ظننت انهم عناصر الأمن وقد لحقوا بي الى كربلاء، لم أشأ ان افتح الباب قبل التأكد من هوية الطارق، صعدت الى سطح الدار، اذا بهما الأخوين الشهيدين سعيد الشروفي وسالم عبد الجليل النجار، وكانا من الثلة التي ساهمت بشكل مباشر في تنظيم مسيرة التحدي.
استغربت مجيئهما في هذه الساعة المبكرة، ركضت الى ساحة الدار مندفعا باتجاه الباب الخارجي، باب السياج، فتحت لهما الباب، فبادراني قبل السلام:
استعجل، بدّل ملابسك، يجب ان ناخذك لمكان بعيد آمن؟.
قلت لهما: ما بكما؟ ماذا حصل؟ هل تعرّف أزلام النظام على هويتي؟.
اجابا باستغراب: وهل تريدهم لا يتعرفون عليك وقد اخذوا منك هويتك الشخصية؟.
فوجئت بالمعلومة، قائلا لهما: ومن قال لكما بان عناصر الأمن اخذوا هويتي الشخصية؟.
قالا: لقد وصل لنا خبر يفيد بان عنصري الأمن اللذين امسكا بك في الصحن الحيدري الشريف قد طلبا منك هويتك، وأنك اعطيتهما ما أرادا على الفور.
في هذه اللحظة تنفست الصعداء، وعرفت لماذا جاءاني في هذا الوقت المبكر.
ضحكت، وقلت لهما: يبدو ان ناقل الخبر لم يتثبت من المعلومة، وانه تصور أوراق القصائد هويتي الشخصية.
قالا: تقصد انك لم تعطهم هويتك الشخصية؟.
أجبت: ابدا، وإنما هي أوراق مكتوب فيها آخر قصيدة كنت اقرأها في المسيرة، وأضفت، يبدو انها اعجبتهما.
رد الشهيدان بالقول:
تعرف انه عندما وردنا الخبر اعلنّا حالة الإنذار القصوى بين صفوفنا تحسبا للطوارئ، فقد احتملنا كل شيء، منها شن النظام البوليسي لحملة اعتقالات في صفوفنا اذا ما أمسك برأس الخيط.
طمأنتهما، رحمها الله تعالى، ثم سألاني: وماذا تنوي فعله الان؟.
أجبتهما: سأغادر اليوم الى الجامعة، واظل اترقب الانباء من بعيد لتفادي اي تطور سلبي للأحداث.
أثنيا على الفكرة، ثم ودعاني وغادرا.
ساعات، ثم غادرت كربلاء المقدسة الى العاصمة بغداد ومنها الى السليمانية، ليتبين لي، فيما بعد، ان الامور سارت على ما يرام، لم يتعرف على هويتي زيانية النظام، ولم يتعقبني احد، لينتهي بذلك فصل من فصول التحدي للنظام الشمولي البائد، ولنبدأ في العام التالي فصلا جديدا من فصول التحدي، قد تسنح لي الفرصة يوما لسرد تفاصيله باذن الله تعالى.
في الحلقة القادمة سأسرد اسماء عدد من الشهداء الذين اشتركت معهم في مسيرة التحدي.
٢ كانون الثاني ٢٠١٤