مرجعية .. بلا قيادة؟!!

لعل العنوان يبدوا غريباً جداً، إذ يحمل مقطعين وهما: (مرجعية) و(بلا قيادة)، إذ أن أحدهما يناقض الأخر. إن الأصل في التشريع الإسلامي أن تكون المرجعية هي التي تتولى قيادة الأمة، خاصةً وإن المرجعية خاضعة تحت عنوان نيابة الإمام، وبما أن الإمام في مرحلة الغيبة، فالمرجع ينوب عن الإمام في كل شيء من مهمات الإمام وأهمها القيادة. لكن المرجعيات، وخاصةً مرجعيات النجف الأشرف انحرفت عن هذا المسار وبدأت لا تؤمن بأن المرجعية يقع على عاتقها قيادة الأمة على أن الدنيا خلقت عبثاً ليسيطر عليها أناس ويحكموا فيها بأوهامهم التي لا واقعية لها، وأهل البيت (عليهم السلام) بينوا موقفنا تجاه من يتمسك بهذا المبدأ بقولهم: [إذا رأيتم العالم مكباً على دنياه فاتهموه بدينه]، وبالتالي الذي لا يقول بالولاية فأنه غير مؤهل لقيادة المجتمع إلى بر الأمان، بل على العكس تماماً .. فتنبه!! ومن نتائج ذلك الانحراف: الاستبداد في الرأي الذي هو لجام للأفواه، وقهر للصالحين على الركون والسكون، فينقطع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا نادراً في مواقع محدودة، أو همساً بين الخاصة، فتنفست الجاهلية في بلاد الإسلام، وظهر الفساد والمنكر، وشيئاً فشيئاً أخلد الناس إلى الترف والنعيم وانغمسوا في الملذات، فأخذت تختفي وبسرعة معالم المجتمع المسلم وحلت محلها معالم مجتمع جاهل حمل ضغثاً من إسلام لا يصده عن منكر ولا يبعثه نحو معروف وإصلاح. لكن هل نرى سوى السحب الداكنة تكتنف هذا الأمر الخطير، وإلا الضباب يلف هذا الموضوع المهم جداً؛ حتى يكاد الإنسان أن يظن إهمال الإسلام له وإعراضه عنه!! ، والقيادة ما هي إلا روح السياسة وعمقها البعيد، إذ ورد عنهم سلام الله عليهم {أنا ساسة العباد}، ومن أهم الشواهد على ذلك واقعة غدير خم حينما أمر الله تعالى رسول الله بأن ينصب علياً خليفةً وقائداً من بعده وإلا فكأنه لم يبلغ رسالته، ويجعلها الإمام الحسن من أهم وظائف الإمامة حينما يقول [إنَّ اللهَ تعالى ندبنا لسياسة الأمة]. لكن وبسرعة بدأ لمعان المرجع الشهيد الصدر يبرز ويظهر إلى الساحة حتى دب الروح فيها من جديد، وتنفس الدين الصعداء، بعد أن محق ورواه بدمه الطاهر، فنقش في قلوب محبيه ومريديه فكرة مفادها بأن المرجعية والقيادة شيئان متلازمان لا ينفك أحدهما عن الأخر، وإذا وجد أحدهما وجد الأخر معه، إذ أحدهما يكمل الأخر، فلا يمكن تصور المرجعية بلا قيادة أو قيادة بلا مرجعية، إذ يكون ذلك خطأ لا يُغتفر، إذ أجاب (قدس سره) في الجزء الرابع من مسائل وردود وقال: هناك بعض الموضوعات المهمة التي فيها نظام المجتمع الديني ينبغي أن يكون فيها الرأي للمرجع، فلا تجوز مخالفته فيها. لكن ما يُثير العجب والاستغراب أن من يدّعي ـ وقد ثبت أنه مجرد ادعاء ـ اتّباع المرجع الشهيد الصدر تراجع تراجع القهقري وعاد ليفصل بين المرجعية والقيادة، فتجده يتخذ مرجعية بلا قيادة وقيادة بلا مرجعية، إذ يتمسكون بقوله (قدس سره) في الحوار الرابع: (يقلدون شخصاً ويأتمرون بأمر شخص أخر)،ولدي فهم أخر لهذا القول أحاول إختصاره كي لا يطول المقاموأجده أقرب إلى الواقع: أولاً: تأتمرون بأمر شخص مجتهد، لكنه ليس بأعلم فلا يقلد، إذ لا بد من أن يكون القائد مجتهداً، ويؤيده قوله (قدس سره) في محاضرة حول واجب رجل الدين: (أما أنه تستطيع أن تعمل شيئاً من ذلك دون اجتهاد، فهذا دونه خرط القتاد، ولا يمكن أصلاً إنما يتبوأ مقعده من النار إذا فعل ذلك، وليس بحجة ولا يجب إطاعته، حتى ولو كان من أفضل فضلاء الحوزة ما لم يحصل على درجة الاجتهاد). ثانياً:الأإتمار بأمر هذا الشخص المجتهد إلا أنه غير مرجع لا بد أن لا يستمر فترة طويلة، بل فترة محدودة وهي فترة وجود فراغ مرجعي، فيملأ المجتهد هذا الفراغ بسبب عدم تصدي المرجعية للقيادة. لكن لم تنجح هذه السياسة في إخماد جذوة الإيمان الصادق على الأبد، بل ما زالت تعاني من صمود هذه الروح الإيمانية التي كانت كامنة في أعماق علي وأهل بيته (عليهم السلام)، ومن تحديها الشجاع الذي حفظ للدين معالمه ورونقه وصفاءه، على الرغم من أن دائرة الانحراف أوسع ظلاً، إذ تجمع حولها غوغاء الناس، ممن ليس معه كثير عقل ودين، فتنفس الدين في حركة جادة وواعية، ونبه إلى حجم الانحراف الحاصل ومداه بالألتزام بعدم الفصل بين القيادة والمرجعية كما هو الحال في مرجعية الشيخ اليعقوبي، خاصةً وأن من مؤهلات ذلك المرجع القائد أن يكون ابن الحالة التي يعيشها المجتمع، ويولد من رحم المعاناة والظروف التي يمر بها، ويكون واعياً للملابسات التي تحيط بالقضية التي يريد أن يتخذ قراراً بإزائها، وكم وصفه تعالى: {لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ }.

Comments (0)
Add Comment