تغير المناخ يهدد الأطايب العراقية التي ينتظرها الناس بفارغ الصبر

جريدة الناصرية الالكترونية:

خلال أشهر الصيف الحارة، ينتظر الكثير من العراقيين مطر الشتاء ووصول الكمأة. هذا النوع من الأطايب الشهية يوفر دخلًا لمن يجمعه ويشكل مصدرًا إضافيًا للعناصر الغذائية تحديدًا للعائلات غير القادرة على شراء اللحوم.

كما أن الكمأة العراقية مرغوبة للغاية على مستوى العالم خاصة في دول الخليج العربية. لكن تغير المناخ وقلة الأمطار يهددان هذا المنتج ويؤديان إلى ندرته وارتفاع سعره.

والكمأة نوع من أنواع الفطر الموسمي البري. في العراق، تنمو في الصحراء الرطبة بعد هطول الأمطار الغزيرة. والبحث عن الكمأة متاح للجميع، بمن في ذلك العاملين في جني الكمأة المحترفين والعائلات العادية. ويعود السبب في ذلك توفره بكثرة في مناطق واسعة من البلاد.

وينتشر فطر الكمأة في محافظة الأنبار الغربية وقرب السماوة في محافظة المثنى الجنوبية. كما يقوم بعض جامعي هذه الثمرة بتمشيط وديان إقليم كردستان العراق بحثًا عنه.

 

“لحم الفقراء”

توفر الكمأة مصدر رزق لكثير من العراقيين. وفي هذا السياق، قال عثمان مفلح الراوي وهو تاجر منذ أكثر من 20 عامًا وأحد سكان محافظة الأنبار ويعمل في جني الكمأة لموقع أمواج.ميديا إن الفطر هذا يوفر له مصدر دخل ثانٍ مهمًا.

وأوضح أن أسعار الكمأة تتراوح بين 15 ألف و30 ألف دينار عراقي (11.5- 23 دولارًا أميركيًا) للكيلوغرام الواحد (2.2 رطل) اعتمادًا على نوعية الكمأة ونوعها. ويعدّ صنفا الأحرك والزبيدي الأغلى ثمنًا. وأوضح الراوي أن السبب في ذلك يعود إلى قدرتها على تحمل ظروف السفر والمسافات الطويلة، وحتى التجميد ما يجعلها أكثر ملاءمة للبيع بالتجزئة.

بالإضافة إلى كونها مصدر دخل، يتمتع العراقيون من مختلف الطبقات الاجتماعية بطعم الكمأة. ويرتفع الطلب المحلي على هذا الفطر في محافظات العراق الوسطى والشمالية. ففي هذه المناطق صحارٍ أقل وبالتالي فإن جني المنتج فيها قليل.

وقال متذوق الكمأة محمد علي إن الفطر هذا “لذيذ ومفيد جدًا” ويلقى إقبالًا كبيرًا في العراق. وعلى الرغم من أن بعض الأصناف الموسمية الشهية باهظة الثمن، إلا أن البعض الآخر أرخص. وقال علي في هذا السياق إن الفطر البري يتفتح “بشكل طبيعي من دون تدخل بشري ومن دون زراعة أو أسمدة أو أي نوع من الرعاية”. وبالتالي، إذا كان الناس على استعداد للسفر إلى الصحاري للبحث عن الفطر وإيجاده فيمكنهم حصاده بحرية.

 

يمكن أن تستخدم الكمأة أيضًا كمصدر بديل للعناصر الغذائية عندما تكون اللحوم باهظة الثمن. وأشارت الدراسات إلى أنها غنية بالمعادن والفيتامينات مثل الكالسيوم والحديد. وتم ربط هذا الفطر الشهي بتقليل الالتهاب وتقوية جهاز المناعة.

ويرى علي أن “هناك الكثير من القواسم المشتركة بين اللحوم والكمأة”، لذلك غالبًا ما يُستخدم الفطر كبديل للبروتين الحيواني. وأوضح أن الطريقة العراقية في تحضير هذا الفطر الشهي هي إما بقليها أو سلقها وتقديمها كطبق رئيسي إلى جانب الأرز. وقد أدى تنوع الفطر إلى تسميتها “اللحوم النباتية” أو حتى “لحوم الفقراء” في العراق.

الأسواق الخارجية وإمكانيات التصدير

الكمأة العراقية هي أيضًا ثمينة في الخارج. هناك سوق دولي كبير لهذا النوع من الفطر بما في ذلك في دول الخليج العربية المجاورة. هذا على الرغم من أن عددًا من هذه البلدان ينتج أنواعه الخاصة الشهية مثل الكويت والمملكة العربية السعودية.

وأوضح الراوي، تاجر الكمأة، أن الصحاري في محافظة الأنبار بغرب العراق “غنية بعشب الشيح” الذي يقضي على الطفيليات والديدان، ما يساعد في جعل المنتج النهائي سليمًا.

الحجم الحقيقي لتجارة الكمأة غير واضح، فالسلطات العراقية لا تسجل تجارة الكمأة في الإحصاءات الرسمية. لكن بعض التقارير تشير إلى سوق دولية صغيرة لكن مزدهرة للفطر العراقي، ويعتمد هذا السوق بشكل أساسي على الصادرات من خلال شبكات غير رسمية.

ونقلت صحيفة الجريدة الكويتية في فبراير/شباط من هذا العام أن 1.5 طن (3,300 رطل) من الكمأة العراقية تدخل المشيخة الثرية يوميًا. ووفقًا للمنفذ البارز، يتم استيراد الفطر من قبل كل من الكيانات التجارية والمواطنين عن طريق الجو والبر. ويأتي ذلك على الرغم من الضوابط الصارمة على الواردات الغذائية من العراق في أعقاب تفشي وباء الكوليرا.

على الرغم من الإقبال الدولي على الكمأة العراقية، إلا أن إنتاجها لا يزال غير منتظم. وفي هذا السياق، قال الباحث الاقتصادي ماجد عبد الحميد أبو كلل إن الدعم الحكومي سيكون ضروريًا لتنظيم التجارة خاصة من قبل وزارة الزراعة ودائرة الإرشاد الزراعي والتدريب. كما اقترح التعلم من مبادرات زراعة الكمأة في دول أخرى، بما في ذلك المملكة العربية السعودية.

وجادل الباحث الاقتصادي بأن تطوير وتصدير هذه المحاصيل الشهية إلى دول الخليج العربية وما بعدها إلى أوروبا والولايات المتحدة يمكن أن “يحول التجارة المتواضعة إلى مورد اقتصادي مهم خاصة بالنسبة للمشاركين في عملية الحصاد والتجارة”. ومع ذلك، يبدو أن مثل هذا السيناريو غير مرجح في الوقت الحالي. كما أشار أبو كلل، فإن العرض المحدود للكمأة يكافح أصلًا لتلبية الطلب المحلي.

محصول الكمأة في خطر

تشير بعض الأسماء التي تُطلق على الكمأة الصحراوية إلى حساسيته، إذ يُعرف الفطر بأشكاله المختلفة باسم “فاكهة السماء” أو “ابن البرق”. هذا لأنه يتكون عادة بعد هطول الأمطار الغزيرة في فصلي الخريف والشتاء. العواصف الرعدية مفيدة بشكل خاص لنمو الكمأة. فالشقوق التي تبدأ في الظهور بعد أن يضرب البرق سطح الصحراء تساعد الفطر الموسمي على الخروج من الأعماق.

وقال الراوي، تاجر الكمأة العراقي لأمواج.ميديا إن “موسم الكمأة يبدأ مع سقوط المطر”. في العراق، يصل موسم الأمطار عادة في أواخر ديسمبر/كانون الأول. لكن تغير المناخ يهدد هذه العملية الموسمية. وأدت درجات الحرارة المرتفعة وانخفاض هطول الأمطار وقلة العواصف الرعدية إلى اضطراب أنماط النمو المعتادة للفطر.

وينمو الكمأة الحرجي الأوروبي الأكثر شهرة عالميًا تحت جذور الأشجار بينما تتبع السلالات الصحراوية الشهية المطر ما يعني أنها أكثر عرضة لتغير أنماط الطقس. ولعل هذا ما يؤثر في حجمها وكميتها.

وقال الباحث الاقتصادي أبو كلل لأمواج.ميديا إن هناك انخفاضًا عن المحصول القياسي المرتفع في عام 2012 والذي، بحسب قوله، كان “نتيجة غزارة الأمطار”.

وقال متذوق الكمأة علي إن تراجع تساقط الأمطار أدى إلى ندرة هذا المحصول الشهي. وتابع: “شهدت أسعار الكمأة ارتفاعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة”. وفقًا لعلي، فإن هذا الأمر جعل من الصعب على العائلات غير الميسورة الحصول على ما كان جزءًا مهمًا من نظامهم الغذائي الموسمي. وحدها زيادة العرض يمكن أن تخفض أسعار هذا الفطر الشهي.

ويأمل بعض العراقيين أن يحمل موسم الأمطار المقبل بعد أشهر الصيف الحارة غزارة في الهطولات ووفرة من الكمأة مع ما سينتج عن ذلك من فرص مالية.

المصدر: موقع أمواج

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار