على هامش الانتصار العراقي.. رؤية في دلالات واستحقاقات المرحلة في بيان المرجع اليعقوبي

 

كان اعلان الانتصار على عصابات التكفير الداعشية وتحرير كافة الاراضي العراقية من سيطرة تلك الزمر الارهابية رسالة الى العالم أجمع أثبت خلالها العراقيون قدرتهم على تجاوز الصعاب وأسقاط كل رهانات تفتيت العراق أرضاً وشعباً ، لقد جسد التلاحم الكبير بين الشعب و قواته المسلحة بمختلف صنوفها من جيش وشرطة وحشد اروع ملامح البطولة والفداء ، تلك الملحمة التي انبثقت من خلال استنهاض المرجعية الدينية في النجف الاشرف للعراقيين لمواجهة ودحر العصابات التكفيرية التي استطاعت بتواطئ داخلي ودعم خارجي من احتلال عدد من المدن العراقية ونشر الموت والدمار في ربوعها لمدة ثلاث أعوام ، لذلك شكل اعلان النصر ربة قاصمة للإرهاب التكفيري العالمي بعد ان شهدت أم الربيعين نهاية فصوله السوداء على ارض بلاد الرافدين .
وبمناسبة هذا الانتصار صدر عن مكتب المرجع اليعقوبي بياناً حمل عنوان (انتصار العراقيين على داعش.. الدلالات والاستحقاقات ) ، وحفل البيان بالعديد من الاشارات الهامة والمضامين التي استنبطها سماحته والتي جاءت على شكل دلالات النصر واستحقاقات المرحلة .
الاشارة الى المؤامرة الدولية الكبرى التي أجهضها العراقيين كانت المحور الاول في البيان بعد مقدمة التهنئة التي قدمها المرجع اليعقوبي الى الشعب وكافة التشكيلات المقاتلة التي حققت النصر ودحرت الارهاب ، وأضح سماحته الى ان تلك المخططات استهدفت ما يأتي :
1- تخريب حضارة العراق .
2- تمزيق نسيجه الاجتماعي.
3- خلق بؤر الفساد والفتن على أراضيه .
4- اتخاذ مواقع تنطلق منها يد الغدر لطعن كل شريف غيور على حرمات الدين والوطن ، وكل مطالب بالاستقلال والانعتاق من هيمنة الاجانب .
اما المحور الثاني في البيان فلقد تضمن نقطتين مترابطتين على صعيد النصر الكبير للعراقيين على تنظيم داعش الارهابي ، الاولى : هي بيان أن المعركة التي خاضها العراقيين كانت من اجل الانسانية وقيمها النبيلة ، وهي معركة بالنيابة عن العالم كله ضد جبهة الارهاب وبؤره المتعددة والتي تمركزت في المنطقة ، ومن خلال الاشارة الى هذه الموضوعة يؤكد سماحته في النقطة الثانية على ضرورة ان يبادر جميع الاحرار في العالم من حكومات ومنظمات الى تقديم الدعم المادي والمعنوي للعراقيين للتقليل من التكاليف الباهظة التي خلفتها تلك المعركة على صعيد الدمار الذي لحق بالمدن وكذلك جيوش الارامل واليتامى والمصابين الذين خلفتهم الحرب ، ومشاركة العراقيين الذين بذلوا الدماء الزاكية في ساحات الحرب ومن خلال الدعم اللوجستي الشعبي اللا محدود والذي لم يتأثر بالتقشف الكبير الذي تعاني منه البلاد ، وهذه التكاليف الباهظة الكبيرة بحاجة الى وقفة مع العراق وشعبه لتضميد جراح العراقيين وتضحياتهم العظيمة ورداً لجميلهم بتخليص الإنسانية من العصابات الارهابية التكفيرية ، ولكي يأخذ العراق دوره الحضاري والريادي .
المحور الثالث في بيان المرجع اليعقوبي بمناسبة الانتصار على داعش تمثل بالإشارة الى أسباب النصر الحقيقية والتي تجلت بلطف الله تعالى وتأييده للعراقيين والذي جاء نتيجة التلاحم التام بين المرجعية الدينية وطبقات الشعب وخصوصاً أبناء العشائر الكريمة الأصلاء والاستجابة لنداء المرجعية في تشكيل الجيش الرديف والذي تمثل بالحشد الشعبي الذي كان الشريك الرئيسي والفاعل في هذا الانتصار بمعية ابطال قواتنا الامنية الباسلة ، ولذلك يحذر سماحة المرجع من محاولات أعداء العراق لخلق فجوة بين الشعب وقيادته المخلصة الواعية والمتمثلة بالمرجعية الدينية ، وذلك من خلال استغلال بعض الثغرات لاختراق هذا البناء المتماسك ، ولذلك يؤكد سماحته الى أهم تجليات النصر التي أثبتت أن الامة لم تستطع الاستمرار في الحياة والوجود والاحتفاظ بهويتها الأصيلة الا بأتباع العلماء العاملين المخلصين المضحين عبر التاريخ ، وتشهد الانتفاضة الجماهيرية التي جاءت استجابة لنداء المرجعية الدينية لوقف الزحف التكفيري نحو العاصمة بغداد وباقي المدن العراقية والتي كانت مهددة بعد سقوط الموصل وما تلاها من أحداث الى قيمة وأهمية وجود كيان المرجعية الدينية في حاضر ومستقبل العراق .
المحور الرابع في بيان المرجع اليعقوبي كان رسالة تحذير الى (الحكومة وقادة الاجهزة الامنية) من الاقتصار والاكتفاء بالنصر العسكري ، وذلك لأن سماحته يرى أن النصر الذي تحقق في الميدان العسكري هو وجه من وجوه الصراع القائم في العراق وبالتالي لا يمكن الاتكاء والاعتماد عليه في اطار المواجهة الشاملة والمخططات المتتالية التي تستهدف البلاد خصوصا والمنطقة عموما .
لذلك ترى المرجعية الرشيدة أن هناك عدد من الخطوات التي تتطلبها المرحلة المقبلة لضمان أفشال المشاريع والمخططات التي تستهدف أمن واستقرار ووحدة البلاد والتي لخصها سماحته بالنقاط التالية :
1- الحيطة والحذر اولاً .
2- تعزيز الانتصار العسكري بالجهد الاستخباراتي والامني .
3- تنقية الفكر والثقافة من الفساد والانحراف والضلال .
4- التوقف عن الصراعات الانانية والفئوية .
5- التوقف عن إشاعة الكراهية والتحريض .
6- إيجاد المودة والوئام .
7- مكافحة الفساد.
8- التوظيف الأمثل لثروات الشعب .
9- الابتعاد عن سياسات المحاور والتبعية.
10- حصر السلام بيد الدولة وسيادة القانون على الجميع على حد سواء .
11- غيرها من الاصلاحات .
والملاحظ أن هذه النقاط التي حددها سماحة المرجع لتكون شروطاً لديمومة النصر والتقدم للبلاد أنها محاور مشتركة بين مؤسسات الدولة والشعب على صعيد التطبيق ، وان كانت المسؤولية الاكبر والاهم تقع على عاتق السلطات التنفيذية والتشريعية وما يرتبط بهن من مجالس محلية ومؤسسات حكومية كالهيئات المستقلة او سلطات القضاء وغيرهن .
وعلق سماحته كذلك على قرار الرئيس الامريكي بالاعتراف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني ورأى ان هذا القرار لها بعدين الاول العام والذي يندرج في أطار خلق فتنة جديدة في المنطقة ، وإشعالها مرة أخرى بعد فشل المؤامرة الكبرى والتي تمثلت بالقضاء على جيوش التكفير الداعشية ، اما البعد الشخصي فيتعلق بالرئيس الامريكي نفسه والذي يسعى للتقوّي بأصحاب النفوذ في الولايات المتحدة وذلك لحماية نفسه من الفضائح الكبيرة التي طالت رموز ادارته والمقربين منه وأحاطت بها شخصيا وأصبحت تهدده ادارته .
وتضمن المحور الخامس من البيان دعوة من المرجع اليعقوبي الى الحكومة العراقية ومؤسسات الدولة لأنصاف الشعب العراقي ومجازاته على هذا الإحسان العظيم الذي سطره أبناءه في ساحات المعارك ، وذلك من خلال أتخاذ الاجراءات والقرارات التي تعينه على الصعوبات وتوفر له حياة كريمة ، وليس العكس كما يحصل في الوقت الحاضر من دعوات وخطوات حكومية باتجاه خصخصة الكهرباء التي اعتبر سماحته أن موضوعها محاط بغموض كبير ، وان المواطن العراقي وخصوصاً متوسطوا الدخل يتوجسون منها خيفة خصوصا مع عدم خروج ممثل للوزارة امام الاعلام لطمأنة المواطنين والتقليل من مخاوفهم من آثارها ، ولذلك دعا سماحته المسؤولين في الوزارة الى ممارسة الشفافية في موضوع خصخصة الكهرباء بدل الاتهامات المتبادلة والارقام المتضاربة وتصفية الحسابات بين الجهات المتصارعة .
وامام ما يعانيه المواطن العراقي من ظروف معيشية صعبة ألزم سماحة المرجع كلاً من الحكومة ومؤسسات الدولة ببذل الوسع في رعاية عوائل الشهداء ومعالجة المصابين أولاً , وثانياً النظر في حاجات المواطنين الاخرى من الخدمات كالصحة والتعليم والسكن وتشجيع القطاع الخاص وعدم الصناعة والزراعة المحليتين نظراً للتراجع الكبير في اداء الكثير من المؤسسات الخدمية التي تمس حياة المواطن العراقي ، وكذلك لفت سماحته أنظار المسؤولين الحكوميين الى معالجة ظاهرة البطالة المتفشية وخصوصا مع أيقاف التعيينات منذ ثلاث سنوات من قبل الحكومة ، ورأى سماحته أن أيجاد توفير غطاء مالي لخلق فرص العمل يمكن أن يتحقق بسهولة من خلال تقليل رواتب المسؤولين العالية والامتيازات الممنوحة لذوي الدرجات الخاصة وحواشيهم والتي هي السبب الحقيقي في إرهاق موازنة الدولة بمليارات الدولارات ، وفي ختام كلامه ذكر سماحته جميع المسؤولين بالأمانة التي في أعناقهم تجاه الشعب امام الله تعالى والمسؤولية الكبيرة التي يتحملونها لرفع معاناة الناس والتخفيف من أعباء الحياة التي أثقلت كاهلهم وأرهقت معيشتهم جراء القرارات الكثيرة التي لا تصب سوى في صالح المسؤول وضحيتها اولاً وأخيراً المواطن العراقي .

احمد البديري

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

آخر الأخبار